وله من الحكايات في هذا الشأن عجائب، مثل هذا عمره مخسور يمر ضياعاً. ومتى رفعك الزمان إلى قوم يذمون من العلم ما تحسنه حسداً لك، وقصداً لصغير قدرك عندك، وتزهيداً لك فيه، فلا يحملك ذلك على أن تزهد في علمك، وتركن إلى العلم الذي مدحوه، فتكون مثل الغراب الذي أعجبه مشي الحجلة فرام أن يتعلّمه فصعب عليه، ثم أراد أن يرجع إلى مشيه فنسيه، فبقي مخبل المشي (٢) . ولا يفسد خاطرك من جعل يذم الزّمان وأهله، ويقول: ما بقي في الدنيا كريم ولا فاضل ولا مكان يستراح فيه، فإن الذي تراهم على هذه الصفة أكثر ما يكونون ممّن صحبه الحرمان، واستحقّت طلعته للهوان، وأبرموا على الناس بالسؤال، فمقتوهم، وعجزوا عن طلب الأمور من وجوهها فاستراحوا إلى الوقوع في الناس، وإقامة العذار لأنفسهم بقطع أسبابهم، وتعذير أمورهم. ولا تزل هذين البيتين من فكرك:
لن إذا ما نلت عزّاً ... فأخو العزّ يلين
فإذا نابك دهرٌ ... فكما كنت تكون ولا قول الآخر:
ته وارتفع إن قيل أق ... تر وانخفض إن قيل أثرى
كالغصن يسفل ما اكتسى ... ثمراً ويعلوا ما تعرّى ولا قول الآخر (٢) :
(٢) البيت لعبيد بن الأبرص، ديوانه: ٤٩ ونسب لطرفة في ديوانه: ٤٥. (٢) البيت لعبيد بن الأبرص، ديوانه: ٤٩ ونسب لطرفة في ديوانه: ٤٥.