إن الصحبة رقٌّ، ولا أضع رقي في يدك حتى أعرف كيف ملكتك. واستمل من عين من تعاشره، وتفقّد في فلتات الألسن وصفحات الأوجه، ولا يحملك الحياء على السكوت عما يضرك أن تبينه، فإن الكلام سلاح السلم، وبالأنين يعرف ألم الجرح، واجعل لكل أمر أخذت فيه غاية تجعلها نهاية لك، وآكد ما أوصيك به أن تطرح الأفكار، وتسلّم للأقدار:
واقبل من الدهر ما أتاك به ... من قرّ عيناً بعيشه نفعه إذ الأفكار تجلب الهموم، وتضاعف الغموم، وملازمة القطوب، عنوان المصائب والخطوب، ويستريب به الصاحب، ويشمت العدوّ المجنب، ولا تضرّ بالوساوس إلا نفسك، لأنّك تنصر بها الدهر عليك، ولله درّ القائل:
إذا ما كنت للأحزان عوناً ... عليك مع الزّمان فمن تلوم مع أنّه لا يدّ عليك الفائت الحزن (١) ، ولا يرعوي بطول عتبك الزمن. ولقد شاهدت بغرناطة شخصاً قد ألفته الهموم، وعشقته الغموم، ومن أعجب ما رأيته منه أنّه يتنكد في الشدة، ولا يتعلل بأن يكون بعدها فرج، ويتنكد في الرخاء خوفاً من أن لا يدوم، وينشد:
توقّع زوالاً إذا قيل تمّ (٢) ... وينشد (٣) :
وعند التّناهي يقصر المتطاول ...
(١) من قول المتنبي: فما يديم سرور ما سررت به ... ولا يرد عليك الفائت الحزن (٢) صدر البيت: إذا تم شيء بدا نقصه. (٣) للمعري، وصدره: فإن كنت تبغي العز فابغ توسطاً.