قيل له: هذا تكلف لا يتصوّر، فإن القادر على الحروف العاقل لا يتصور أن يعجز عن نظم الحروف.
وقد ظهر اختلاف أصحابنا في صورة تدنو من الأصل الذي نحن فيه وهو [أن من ولد](١) أصمَّ، فإنه لا ينطق، وإن قوي لسانُه، من جهة أن الصبي إنما ينطلق لسانه بالنطق لتلقِّيه [ما](٢) يسمع، فإذا كان أصم، ولم ينطق، فلو قطع قاطعٌ اللسان مِمّن هذا وصفه، ففي وجوب الدية عليه وجهان مشهوران: أحدهما - أنه لا تجب؛ لأنه أخرس، وهو الأبكم حقاً. والثاني - تجب الدية؛ فإن اللسان [لا نقصَ](٣) به وسبب سقوط النطق زوال السمع.
ويترتب على هذا الآن أن جانياً لو جنى على صبي قبل [مظنة](٤) النطق وأزال سمعه، وتعذر بهذا السبب نطقُه، فإن كنا نوجب الدية على قاطع لسانه، فلا يجب على مزيل سمعه إلا دية واحدة، وإن كنا لا نوجب على قاطع لسانه دية [فالواجب إيجاب ديتين](٥) على الجاني، [إذ جنى](٦) على سمعه، وأفسد لسانه، ولا يعترض على ذلك أنه لم يُفسد نطقاً، إذ لم يدخل وقت النطق، لأن إفسادَ العضو [المتهيِّىء](٧) للمنفعة إتلافُ المنفعة، ولهذا قلنا: من قلع سن من لم [يُثغر](٨)، فلم يَنبُت سنُّه، كملت الدية على الجاني، لا من جهة [اعتدائه على السن](٩)، ولكن من جهة إفساده
[للمنبت](١٠).
ولو كان الإنسان في الخلقة مقصوم الفقار ورجلاه سليمتان، لا آفة بهما، ولو كان
(١) في الأصل: "وهو أدنى ولو أصم". (كذا تماماًً). وهو تحريف ظاهر. (٢) في الأصل: "فيما". (٣) في الأصل: "لايقتص". (٤) في الأصل: "فطنة". والمثبت من عبارة الرافعي في الشرح الكبير. (٥) في الأصل: " قالوا به إيجاب وتبين ". (٦) زيادة اقتضاها السياق. (٧) في الأصل: "التهيؤ". (٨) في الأصل: "يبعد". (٩) في الأصل: " إعراضه على المسي ". (كذا تماماً) (انظر صورتها). (١٠) في الأصل: " للسبب ".