[سُورَة الزمر (٣٩) : آيَة ٥٩]
بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (٥٩)
بَلى حَرْفٌ لِإِبْطَالِ مَنْفِيٍّ أَوْ فِيهِ رَائِحَةُ النَّفْيِ، لِقَصْدِ إِثْبَاتِ مَا نُفِيَ قَبْلَهُ، فَتَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ هُنَا جَوَابًا لِقَوْلِ النَّفْسِ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [الزمر: ٥٧] ، لِمَا تَقْتَضِيهِ لَوْ الَّتِي اسْتُعْمِلَتْ لِلتَّمَنِّي مِنِ انْتِفَاءِ مَا تَمَنَّاهُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ هَدَاهُ لِيَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ، أَيْ لَمْ يَهْدِنِي اللَّهُ فَلَمْ أَتَّقِ. وَجُمْلَةُ قَدْ جاءَتْكَ آياتِي تَفْصِيلٌ لِلْإِبْطَالِ وَبَيَانٌ لَهُ، وَهُوَ مِثْلُ الْجَوَابِ بِالتَّسْلِيمِ بَعْدَ الْمَنْعِ، أَيْ هَدَاكَ اللَّهُ.
وَقَدْ قُوبِلَ كَلَامُ النَّفْسِ بِجَوَابٍ يُقَابِلُهُ عَلَى عَدَدِ قَرَائِنِهِ الثَّلَاثِ (١) ، وَذَلِكَ بِقَوْلِهِ: قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَهَذَا مُقَابِلُ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي [الزمر: ٥٧] ثُمَّ بِقَوْلِهِ:
وَاسْتَكْبَرْتَ وَهُوَ مُقَابِلُ قَوْلِهَا: عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر: ٥٦] أَيْ لَيْسَتْ نِهَايَةُ أَمْرِكِ التَّفْرِيطَ بَلْ أَعْظَمَ مِنْهُ وَهُوَ الِاسْتِكْبَارُ، ثُمَّ بِقَوْلِهِ: وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ وَهَذَا مُقَابِلُ قَوْلِ النَّفْسِ لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [الزمر: ٥٧] فَهَذِهِ قَرَائِنُ ثَلَاثٌ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ هَدَاكِ فِي الدُّنْيَا بِالْإِرْشَادِ بِآيَاتِ الْقُرْآنِ فَقَابَلْتِ الْإِرْشَادَ بِالتَّكْذِيبِ وَالِاسْتِكْبَارِ وَالْكُفْرِ بِهَا فَلَا عُذْرَ لَكِ.
وَكَانَ الْجَوَابُ عَلَى طَرِيقَةِ النَّشْرِ الْمُشَوَّشِ بَعْدَ اللَّفِّ رَعْيًا لِمُقْتَضَى ذَلِكَ التَّشْوِيشِ وَهُوَ أَنْ يَقَعَ ابْتِدَاءُ النَّشْرِ بِإِبْطَالِ الْأَهَمِّ مِمَّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ اللَّفُّ وَهُوَ مَا سَاقُوهُ عَلَى مَعْنَى التَّنَصُّلِ وَالِاعْتِذَارِ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي [الزمر: ٥٧] لِقَصْدِ الْمُبَادَرَةِ بِإِعْلَامِهِمْ بِمَا يَدْحَضُ مَعْذِرَتَهُمْ، ثُمَّ عَادَ إِلَى إِبْطَالِ قَوْلِهِمْ: عَلى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر: ٥٦] فَأُبْطِلَ بِقَوْلِهِ: فَكَذَّبْتَ بِها، ثُمَّ أَكْمَلَ بِإِبْطَالِ قَوْلِهِمْ: لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الزمر: ٥٨] بِقَوْلِهِ: وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ. وَلَمْ يُورَدْ جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ النَّفْسِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ [الزمر: ٥٦] لِأَنَّهُ إِقْرَارٌ.
(١) الْقَرَائِن القرآنية: جمع قرينَة وَهِي الْفَقْرَة ذَات الفاصلة.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.