فقلت له: أخبرني عن أبيك ما كان إذ قرنته بهؤلاء، فقال: كان والله لا يساوي عباءة.
قال: ومر الفرزدق بجندل بن سفيح المنقري فصال به جمله فألقى إليه سيفه وقال: عرقبه، فضربه فلم يعرقبه، فقام رجل يقال له حميّ فعرقبه فقال الفرزدق:
لعمرك ما أدري أعجز بجندل … عن العود أم لم يدر أين مضاربه
فما كان عند الروع إلا وليدة … ينوس لها بظر طويل ذباذبه
أعضّ حميّ ساقة السيف بعد ما … رأى خابطا يغشى من الموت صاحبه (١)
قال وحج الفرزدق فلما قضى حجته أتى المدينة، فدخل على سكينة بنت الحسين بن علي مسلّما، فقالت له: يا فرزدق من أشعر الناس؟ قال:
أنا. قالت: كذبت، أشعر منك صاحبك جرير حين يقول:
بنفسي من تجنبه عزيز … عليّ ومن زيارته لمام
ومن أمسي وأصبح لا أراه … ويطرقني إذا هجع النيام (٢)
فخرج ثم عاد، فقالت له: يا فرزدق من أشعر الناس؟ قال: أنا.
قالت: كذبت. صاحبك أشعر منك حين يقول:
لولا الحياء لعادني استعبار … ولزرت قبرك والحبيب يزار
كانت إذا هجع الضجيع فراشها … كتم الحديث وعفّت الأسرار
لا يبرح القرناء أن يتفرقوا … ليل يكرّ عليهم ونهار (٣)
(١) ديوان الفرزدق ج ١ ص ٧١ مع فوارق كبيرة.
(٢) ديوان جرير ص ٤١٦.
(٣) ديوان جرير ص ١٥٤ - ١٦٠ مع فوارق.