٢٣، ٢٤] كل هذا في الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأبواه قد ماتا من زمان، فدل على أن قوله:{إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ} أي: يبلغ عندك الكبر أحد والِدَيْكَ فبرّهما وقل لهما قولاً كريماً، أي: المراد خطابه ليُشرع لأمته، ومَنْ زَعَمَ من الناس أن هذا الخطاب -أي: قوله: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا} - أنه يخاطب به مطلق الإنسان المُخَاطَب وليس النبي؛ فهذا غلط محض؛ لأن كل هذه الخطابات للنبي - صلى الله عليه وسلم - {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ}{وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ}[الإسراء: آية ٢٨] والدليل عليه أنه قال: {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ}[الإسراء: آية ٣٩]، فدل أن الخطاب للمُوحَى إليه لا إلى مطلق الواحد من الناس.
وآية الإسراء هذه نص صريح في أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - يُخاطَب بالخطاب ليس هو المراد به، بل المراد التشريع لأمته؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - هو المشرِّع لهم بأقواله وأفعاله، وهذا معنى قوله:{وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} ككفار قريش الذين كذبوا بآيات الله، لا تتبع أهواءهم في الشرك، ولا في تحريم ما أحل الله.
{وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ} ظاهر العطف أنهما طائفتان، والتحقيق: أنهما طائفة واحدة (١)، إلا أن المعروف في علم العربية أن الشيء يُعطف على نفسه بألفاظ مختلفة إذا كانت الصفات مختلفة، نزَّلوا تَغَايُر الصفات منزلة تغاير الألفاظ، فعطَفوه على نفسه؛ نظراً إلى تَغَايُر الصفات (٢)؛ لأن صفة التكذيب بآياتنا، وصفة عدم الإيمان بالآخرة متغايرتان، فصار الموصوف كأنه متغاير لتغاير
(١) انظر: البحر المحيط (٤/ ٢٤٨). (٢) مضى عند تفسير الآية (٥٤) من سورة البقرة.