والمعنى: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كان المشركون في زمانه يحرمون بعض ما أحلّ الله، وأقام عليهم الحجج الواضحة، وأفحمهم بالمناظرة في قوله:{قُلْءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ}[الأنعام: الآية ١٤٣] كما بينا وجه إفحامهم بالسبر والتقسيم في الآية، أخبرهم أنه لا تحريم إلا بالوحي، لا بالاجتهاد والهوى، فإنما الذي يحرم: الله، والطريق التي يُعرف بها تحريم الله وتحليله هي الوحي، لا اتباع الهوى، أُمِرَ أن يقول:{لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً} شيئاً من هذه المحرمات التي تزعمون أنها حرام، كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وكما في بطون تلك الأنعام التي قلتم هو محرَّم، وما حرمتم من الحروث والزروع والأنعام كل هذا لا أجده حراماً علينا فيما أوحى الله إلينا، وإنما أجد فيما أُوحي تحريمه: هذه الأربعة.
{لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} لطالب العلم أن يقول: لمَّا قال: {عَلَى طَاعِمٍ} لِمَ لا تكفي عنه قوله: {يَطْعَمُهُ}؟ وهو أسلوب عربي معروف تذكره العرب في لغتها، وهو كثير في القرآن، كقوله:{وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ}[الأنعام: الآية ٣٨] ومعلوم أنه لا يطير إلا بهما. {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ}[البقرة: الآية ٧٩] ومعلوم أنهم لا يكتبونه إلا بأيديهم (١).
{إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً} قدمنا فيه أوجه القراءات (٢)، وأحكام أنواع الميتة (٣).
(١) انظر: التحرير والتنوير (٨/ ١٣٨) ومضى عند تفسير الآية (١٤٢) من سورة البقرة، (٤٨) من سورة الأنعام. (٢) انظر القراءات الواردة في الآية في المبسوط لابن مهران ص ٢٠٤. (٣) انظر: أضواء البيان (١/ ٩٠) فما بعدها.