مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)} [مريم: الآيتان ٤٦، ٤٧] ثم إن اللَّهَ في سورةِ الممتحنةِ اسْتَثْنَى الاستغفارَ للمشركين من أسوةِ إبراهيمَ، حيث قال:{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ} ثم استثنَى من هذه الأسوةِ: {إِلَاّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ}[الممتحنة: الآية ٤] فلا أسوةَ لكم بإبراهيمَ فيه.
وهذا القولُ الذي يقولُ: إِنَّ كُلَّ مَنْ مَاتَ مشركًا دخلَ النارَ، ولو لم يَأْتِهِ نذيرٌ، جَزَمَ به النوويُّ في شرحِ مسلمٍ (١)، وحكى عليه القرافيُّ الإجماعَ في شرحِ التنقيحِ في الأصولِ (٢).
وأجابَ مَنْ قَالَ بهذا عن الآياتِ التي ذَكَرْنَا من أربعةِ أَوْجُهٍ:
قال: قولُه مثلاً: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (١٥)} [الإسراء: الآية ١٥] قالوا: يعنِي عذابَ الدنيا، كما وقعَ لقومِ نوحٍ من الإغراقِ، وقومِ هودٍ من الريحِ العقيمِ، وقومِ لوطٍ من أن اللَّهَ رَفَعَ أرضَهم إلى السماءِ فجعلَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا. أما عذابُ الآخرةِ فلم يُقْصَدْ، وحكى القرطبيُّ وأبو حيانَ على هذا أن عليه إجماعَ المفسرين (٣).
(١) عبارة النووي: «وفيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم» ا. هـ شرح مسلم (١/ ٤٨٢). (٢) انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٢٩٧. ولا يخفى أن الإجماع لم ينعقد على ذلك. (٣) تتبعت جميع الآيات التي لها تعلق بهذا الموضوع في التفسيرين المذكورين فلم أجد لهذا الإجماع ذكرا. ولعله وهم من الشيخ - رحمه الله - بدليل أنه ذكر جميع هذه التفاصيل في أضواء البيان، وفي هذه الجزئية قال: «ونسب هذا القول القرطبي، وأبو حيان، والشوكاني، وغيرهم في تفاسيرهم إلى الجمهور» ا. هـ. الأضواء (٣/ ٤٧٦). وانظر: القرطبي (١٠/ ٢٣١)، والبحر المحيط (٦/ ١٦).