وفي آيةِ فاطر هذه- التي ذَكَرْنَاهَا استطرادًا- فيها سؤالٌ معروفٌ، وهو أن يُقَالَ: كيف بدأ اللَّهُ بالظالمِ في هذه الآيةِ، وَقَدَّمَهُ على المقتصدِ، وَأَخَّرَ السابقَ بالخيراتِ، مع أنهما خيرٌ من الظالمِ، وخيرُهم السابقُ بالخيراتِ، ثم المقتصدُ، ثم الظالمُ. فَلِمَ قَدَّمَ هذا الذي غيرُه أفضلُ منه (١)؟
وللعلماءِ عن هذا التقديمِ أجوبةٌ معروفةٌ، منها:
أن هذا إظهارُ كرمٍ من اللَّهِ يستدعيهم بالقرآنِ بفضلِ آثارِه على الأمةِ التي أُورِثَتْ إياه، فبدأ بالظالِمِ لئلَاّ يقنطَ، وَأَخَّرَ السابقَ بالخيراتِ لئلَاّ يعجبَ بعملِه فيحبط.
وقال بعضُ العلماءِ: أكثرُ أهلِ الجنةِ الخَطَّاؤون الذين يظلمونَ أنفسَهم، يخالفونَ مرةً وَيُنِيبُونَ إلى اللَّهِ. وأما السابقونَ بالخيرِ فقليلٌ جِدًّا، والمقتصدونَ أَقَلُّ من الظالمين؛ ولذا لَمَّا سُئِلَتْ عائشةُ رضي اللَّهُ عنها عن معنَى هذه الآيةِ قالت: المقتصدُ الذي رُبَّمَا خَالَفَ، مثلي ومثلك (٢).- جَعَلَتْ نفسَها من الظالمين- فقدَّم الظالمين لأنفسِهم لأنهم أكثرُ أهلِ الجنةِ، والأكثريةُ لها شأنٌ، فَعُلِمَ من هذه الآيةِ أن الظلمَ قد يكونُ ظُلْمًا دونَ ظُلْمٍ، والظلمُ معناه: وضعُ الشيءِ في غيرِ موضعِه، تارةً يَعْظُمُ فيكونُ كُفْرًا، وتارةً يكونُ ظُلْمًا دونَ ظلمٍ فلا يكونُ كُفْرًا. وهذا معنَى قولِه:
(١) مضى عند تفسير الآية (٤٧) من سورة البقرة. (٢) أخرحه أبو داود الطيالسي في مسنده ص ٢٠٩ رقم (١٤٨٩)، والحاكم (٢/ ٤٢٦)، والطبراني في الأوسط رقم (٦٠٩٠) (٧/ ٥٦)، وذكره السيوطي في الدر (٥/ ٢٥١) وعزاه لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وابن مردويه. وسنده ضعيف جِدًّا.