السماءِ لآراءِ الكفرةِ، وَخَفِيَتْ عليهم الْحِكَمُ.
أما قطعُ اليدِ مثلاً الذي يقولونَ: إنه عملٌ وحشيٌّ لَا ينبغي أن يكونَ في نظامٍ سماويٍّ، ولا أن يُعَامَلَ به الإنسانُ. فإنما هو لِجِهْلِهِمْ؛ لأن اليدَ الواحدةَ إذا لم تُعَاقَبْ عقوبةً رادعةً قد تُقَطِّعُ آلافَ الأيادِي بسرقتِها، وإن الله (جل وعلا) خَلَقَ هذه اليدَ وفَرَّقَ أصابعَها، وأبعدَ إبهامها عن أصابعِها؛ لأنه لو جَعَلَ الإبهامَ قريبًا من السبابةِ لَمَا قدرَ صاحبُها أن يحلَّ ولا أن يعقدَ، وشدَّ رؤوسها بالأظفارِ لتكونَ أداةً فَعَّالةً عاملةً في الخيرِ، وفي الإعانةِ على ما يُرْضِي اللَّهَ، على غرارِ:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى}[المائدة: آية ٢] فَلَمَّا مَدَّهَا هذا الخائنُ الخبيثُ الخسيسُ ليأخذَ أموالَ الناسِ على أخسِّ وجهٍ وأدناه وأردئه صارت هذه اليدُ في نظرِ مَنْ خَلَقَهَا وفي شَرْعِهِ صارت كأنها قذرةٌ نجسةٌ، وإن استمرت بالبدنِ قَذَّرَتْ ذلك البدنَ كُلَّهُ وَنَجَّسَتْهُ، فَقَطْعُ عُضْوٍ فَاسِدٍ كعمليةٍ تطهيريةٍ؛ ليصحَّ بها بقيةُ البدنِ من ذلك التنجيسِ وتلك الرذيلةِ، ولتطمئنَ الناسُ على أموالِها؛ ولذا ثبتَ في الصحيحين من حديثِ عبادةَ بنِ الصامتِ رضي اللَّهُ عنه ما يَدُلُّ على أن الحدودَ كفاراتٌ (١)، وأنه إن قُطِعَتْ يدُه الخبيثةُ النجسةُ الفاجرةُ المجرمةُ أنه يطهر بذلك بقيةُ بدنِه (٢).
وقد يحصلُ في ذهنِ طالبِ العلمِ هنا سؤالٌ، وهو أن يقولَ: الْعُدْوَانُ على المالِ ذو وجوهٍ كثيرةٍ؛ لأنه قد يكونُ بِالْغَصْبِ، وقد
(١) البخاري في الحدود، باب: الحدود كفارة. حديث رقم (٦٧٨٤)، (١٢/ ٨٤)، ومسلم في الحدود، باب: الحدود كفارة لأهلها. حديث رقم (١٧٠٩)، (٣/ ١٣٣٣). (٢) انظر: الأضواء (٣/ ٤٣١).