والمرادُ بالجنِّ هنا: عُتَاتُهُمْ وشياطينُهم الذين كانوا يُضِلُّونَ الآدميين ويغوونهم في دارِ الدنيا، يقولُ لهم اللَّهُ يومَ القيامةِ:{يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ} أَعْنِي: يا جماعةَ الشياطين {قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنْسِ} والمعنَى: {قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنْسِ} أَكْثَرْتُمْ من إغوائِهم وإضلالِهم (٣) - والعياذُ باللَّهِ- حتى أَضْلَلْتُمْ منهم أعدادًا طائلةً وَجِبِلاًّ كثيرًا ضَخْمًا، كما يأتِي في قولِه: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)} [يس: آية ٦٢].
وهذه الآياتُ يُبَيِّنُهَا اللَّهُ لنا في دارِ الدنيا لنحذرَ من أن تكونَ الشياطينُ تَسْتَهْوِينَا وَتُضِلُّنَا لتدخلنا النارَ، وقد بَيَّنَ القرآنُ أن هذا العددَ الكثيرَ من الإنسِ الذي أَضَلَّتْهُمْ شياطينُ الجنِّ الذين قال اللَّهُ فيهم:{يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنْسِ}[الأنعام: آية ١٢٨] أن منهم الذين يَتْبَعُونَ تشريعَ الشيطانِ، وَيَحِيدُونَ عن تشريعِ اللَّهِ فيتبعونَ ما نَظَّمَهُ الشيطانُ من النُّظُمِ على ألسنةِ أوليائِه، صَرَّحَ القرآنُ بأن هؤلاء داخلونَ في هذا الاستكثارِ وما أكثرَهم؛ لأن اللَّهَ يقولُ في السورةِ الكريمةِ- وَكُلُّ سورةٍ من القرآنِ كريمةٌ- أعنِي سورةَ يس:{أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَاّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ}[يس: آية ٦٠]
(١) انظر: ابن جرير (٢٣/ ١٠٨)، القرطبي (١٥/ ١٣٤). (٢) البيت في ابن جرير (١/ ٥٠٦)، القرطبي (١/ ٢٩٥)، البحر المحيط (١/ ١٥٣)، اللسان (مادة: جنن) (١/ ٥١٧). (٣) انظر: ابن جرير (١٢/ ١١٥).