ولا طهارتُهم من الخبثِ إلا بالماءِ، فهي آصارٌ وتكليفاتٌ وأثقالٌ شديدةٌ رَفَعَهَا اللَّهُ عَنَّا على لسانِ نَبِيِّنَا - صلى الله عليه وسلم - حيث قال:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}[الحج: آية ٧٨]{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا}[البقرة: آية ٢٨٦]{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}[التغابن: آية ١٦]{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}[البقرة: آية ١٨٥] ونحو ذلك من الآياتِ، ولذا قال هنا:{إِلَاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} والطاءُ في قولِه: {مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} أصلُها مبدلةٌ من تاءِ الافتعالِ، وقد تَقَرَّرَ من فَنِّ العربيةِ (١): أن تاءَ الافتعالِ إذا جاءَ بعدَ واحدٍ من حروفِ الإطباقِ أنه يُبْدَلُ طاءً، والحقيقةُ: أصلُ مادةِ هذا الفعلِ (ضَرَرَ). ففاء المادةِ: ضادٌ، وعينها: راءٌ، ولامُها: راءٌ. فَدَخَلَهَا تاءُ الافتعالِ، كما تقولُ في قَرُبَ: اقتربَ، وفي كَسَبَ: اكتسبَ، وفي ضررَ: اضترر فأُبدلت تاءُ الافتعالِ طاءً، ثم بُنِيَ الفعلُ للمفعولِ ورُكِّبَ للنائبِ، فقيل: اضْطُرِرْتُمْ (٢).
والمعنَى: أن هذه المحرماتِ التي فَصَّلَهَا اللَّهُ لنا أن محلَّ تحريمِها علينا ما لم تُلْجِئْنَا إليها ضرورةٌ، فَإِنْ أَلْجَأَتْنَا إليها ضرورةٌ فهي حلالٌ لنا.
وقد قَدَّمْنَا كلامَ العلماءِ في قولِه:{غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} فالإنسانُ إذا خاف على نفسِه الهلاكَ جازَ له أَكْلُ الميتةِ إن لم يَجِدْ غيرَها، وجاز له أكلُ الخنزيرِ إن لم يجد غيرَه، وجازَ له ما حُرِّمَ عليه للضرورةِ. وأعظمُ الأشياءِ هو كلمةُ الكفرِ إذا أُلْجِئ الإنسانُ وَأُكْرِهَ
(١) انظر: التوضيح والتكميل (٢/ ٥١١). (٢) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٥٤)، القرطبي (٢/ ٢٢٥)، شرح الكافية (٤/ ٢١٥٨)، البحر المحيط (١/ ٣٧٣)، الدر المصون (٢/ ١١٣)، معجم مفردات الإبدال والإعلال ص٤٢٥.