للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

فهو أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ، يخاطبُ الإنسانُ إِنْسَانًا لينقلَ الخطابَ بواسطتِه إلى غيرِه، والقرآنُ بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، ولا سيما أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - هو الْمُشَرِّعُ، فَمَا أُمِرَ بِهِ أو نُهِيَ عنه صارَ مُشَرَّعًا لأُمَّتِهِ (صلواتُ الله وسلامُه عليه) ولذا قال هنا: {فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [الأنعام: آية ١١٤] وقالت جماعةٌ من أهلِ العلمِ: الخطاباتُ في قولِه: {فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤)} {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: آية ٦٥] كالخطابِ العامِّ الْمُوَجَّهِ لجميعِ الناسِ وإن كان لفظُه مُفْرَدًا (١)، كما هو معروفٌ، كقولِ طَرَفَةَ بنِ العبدِ (٢):

سَتُبْدِي لَكَ الأَيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلاً ... وَيَأْتِيكَ بِالأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ

فَإِنَّ هذا الخطابَ لفظُه كأنه مفردٌ، ومعناه عامٌّ مُوجَّهٌ لكلِّ مَنْ يَصِحُّ منه الخطابُ. هذا معنَى قولِه: {فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)} أي: لا تَكُونَنَّ يا نَبِيَّ اللَّهِ. أي: يا مخاطبُ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ الخطابُ: {مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٤٩)} أي: في الشَّاكِّينَ في أن هذا الكتابَ مُنَزَّلٌ من اللَّهِ. أي: لا تَكُونَنَّ من الممترين في أن الذين آتَيْنَاهُمُ الكتابَ يعلمونَ أنه مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بالحقِّ.

{وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لَاّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)} [الأنعام: آية ١١٥] {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً} قرأ هذا الحرفَ جمهورُ القراءِ ما عدا الكوفيين الثلاثةَ، قرأه من السبعةِ: نافعٌ وابنُ كثيرٍ وأبو عمرٍو وابنُ عَامِرٍ كُلُّهُمْ قرؤوا: {وتمت كلماتُ ربك صدقًا وعدلا} بصيغةِ الجمعِ، وقرأه الكوفيونَ، أَعْنِي: عَاصِمًا وحمزةَ والكسائيَّ: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً}


(١) انظر: البحر المحيط (٤/ ٢٠٩).
(٢) البيت من معلقته. وهو في شرح القصائد المشهورات (١/ ٩٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>