للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

أنزلَ اللَّهُ قولَه تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)} [الأنبياء: آية ٩٨] اجتمعَ رؤساءُ قريشٍ من كفارِ مكةَ إلى أَبِي طالبٍ في آخِرِ أيامِ حياتِه وقالوا له: إن ابنَ أخيكَ يعيبُ آلهتَنا ويذمها. والله لَتَنْهَيَنَّ ابنَ أخيكَ عن سبِّ آلهتِنا أو لَنَهْجُوَنَّ إِلَهَهُ الذي أَمَرَهُ بهذا. فأنزلَ اللَّهُ: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} (١).

وَقَالَ بعضُ العلماءِ: كانَ المؤمنونَ يَسُبُّون الأصنامَ بأنها أجرامٌ لَا تنفعُ ولَا تَضُرُّ ولَا تسمعُ ولا تُبْصِرُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ نهيَهم عن ذلك لئلَاّ يتذرعَ به المشركونَ فينتقمونَ منهم فَيَسُبُّونَ رَبَّهُمْ؛ وَلِذَا قال تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} السبُّ معناه: الذمُّ والثَّلبُ بذكرِ المساوئِ التي لا تَلِيقُ. والعربُ تقولُ: سَبَّهُ يَسُبُّهُ، وَتَسَابَّا


(١) المعروف أنه لمَّانزلت آية الأنبياء: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ... } الآية قال المشركون: فإن عيسى وعزيرًا والشمس والقمر يعبدان!! فنزل قوله تعالى في سورة الأنبياء: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)} وقوله في سورة الزخرف {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)}.
انظر أسباب النزول للواحدي ص ٣٠٥، تفسير ابن كثير (٣/ ١٩٧)، أسباب النزول للسيوطي ص ١٨٤، الدر المنثور (٤/ ٣٣٩).

أما آية الأنعام فإن سبب نزولها ما سيذكره الشيخ من أن المؤمنين كانوا يسبون آلهة المشركين، وفي بعض الروايات: القصة المشار إليها في ذهابهم إلى أبي طالب، لكن لا تعلق لذلك كله بآية الأنبياء، اللهم إلا ما ذكره أبو حيان في البحر (٤/ ١٩٩) بقوله: «وقيل: قالوا ذلك عند نزول قوله: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ... }» ا. هـ. هكذا ذكره من غير سند، ولم يعزه لقائل معين. والله أعلم. انظر: ابن جرير (١٢/ ٣٣ - ٣٥)، الواحدي في أسباب النزول ص ٢٢١ - ٢٢٢، تفسير ابن كثير (٢/ ١٦٤)، أسباب النزول للسيوطي ص١٢٠، الدر المنثور (٣/ ٣٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>