وأبو عمرو، وابن عامر:{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِم} بجمع السلامة. وكلتاهما قراءة صحيحة متواترة ومعناها صحيح (١).
{وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} اختلف العلماء في معنى هذا الأخذ -أخذ الذرية- من ظهور بني آدم على قولين (٢): فذهبت جماعة من المفسِّرِين إلى أنّ مَعْنَى أخْذِهِم من ظهور بني آدم هو وجودهم قَرْنًا بعد قَرْنٍ، وجيلاً بعد جِيل، على طريق التناسل، والمعنى: أنّ اللهَ خلق بني آدم وخلق من هؤلاء ذرية، فينقضي هذا القرن ويخلق من هذا القرن ذرية كما قال:{كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ}[الأنعام: آية ١٣٣] وعلى هذا القول فالأخذ من ظهورهم: هو استخراج النُّطَف من أصلابهم على طريق التناسل قرنًا بعد قرن. وعلى هذا القول فقوله:{وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ} الذين قالوا هذا القول قالوا: أشهدهم على أنفسهم بلسان الحال لا بلسان المقال؛ لأن الله نصب لهم من الأدلة الواضحة الظاهرة على كمال قدرته وأنه المعبود وحْدَه ما لا يُحْتَاج معه إلى شيء {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} يعني: أَثْبَتَ لهم ربوبيته واستحقاقه للعبادة بما ركز فيهم من الفِطْرَة والعقول، وما نصب لهم من الأدِلَّة، وعلى هذا القول فقوله:{قَالُواْ بَلَى} قالوا ذلك أيضًا بلسان حالهم، والعرب قد تطلق المقال على مقال لسان الحال، قال بعض العلماء: منه قوله تعالى:
(١) انظر: المبسوط لابن مهران ص٢١٦. (٢) انظر: ابن جرير (١٣/ ٢٢٢)، ابن كثير (٢/ ٢٦١ - ٢٦٤)، القرطبي (٧/ ٣١٤)، أحكام أهل الذمة (٢/ ٥٢٣)، فما بعدها، شرح الطحاوية (٣٠٢ - ٣١٦)، الروح لابن القيم (٢٤٤ - ٢٦٥)، الأضواء (٢/ ٣٣٥).