لما قال له ربه:{قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ} هذا خبرٌ يقينٌ من الله، لم ينفعل موسى، ولم يلق الألواح، فلما جاء حاملاً ألواح التوراة، ونظر إليهم يعبدون العجل، ويعكفون حوله، لم يتمالك حتى ألقى الألواح، وانفعل عند المعاينة انفعالاً لم ينفعله عند الخبر اليقين، ومن هنا عُرِفَ أن الخبر ليس كالمعاينة. وهذا معنى قوله:{قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ} يعني: طرح ألواح التوراة التي هي مكتوبة فيها من شدةِ غضبه لانتهاك حرمة الله، وعبادة العجل معه. وكثيرٌ من المفسرين يقولون: إنه ألقاها إلقاءً قويًّا حتى تكسرت، وأنه رُفع شيء منها مع المكسر منها. وكل هذا لا دليل عليه، ولم يقم عليه دليل صحيح لا في كتاب ولا من سنة (١)، وظاهر القرآن أنها لم تتكسر، ولم يَضِع منها شيء؛
(١) بل ثبت في بعض الروايات ما يدل على ذلك، وللوقوف على هذه الروايات انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٥/ ١٥٦٣)، الإتقان للسيوطي (١/ ١٢٣)، التفسير الصحيح (٢/ ٣٥٠)، جامع التفسير من كتب الأحاديث (٢/ ٧٤٦، ١٠٩١). وفي الحديث المُتقدم «ليس الخبر كالمُعاينة» تصريح بتَكَسُّرِها.