للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

الحال، وإنما تتداخل، فزعموا أن {أَسِفًا} حال من الضمير المستكن في {غَضْبَانَ} وأن العامل فيها هو {غَضْبَانَ} فقالوا: الأحوال متداخلة، والجمهور يقولون: إنها متعددة لا متداخلة، وأن الحال تتعدد من غير تداخل مع العطف وبدون العطف. ومن أمثلتها بدون العطف قوله هنا: {غَضْبَانَ أَسِفًا} وقول الشاعر (١):

عَلَيَّ إِذا مَا زُرْتُ لَيْلَى بخُفْيَةٍ ... زِيَارَةُ بَيْتِ اللهِ رَجْلَانَ حَافِيا

أي: في حال كوني ماشيًا على رجلي غير منتعل. وتأتي أيضًا مع العطف كقوله: {مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا} [آل عمران: آية ٣٩] فهي أحوال متعددة متعاطفة.

والأَسِفُ: شديد الغضب، وشذ بعض العلماء هنا فقال: الأسِفُ: الحزين، أي: غضبان حزينًا. والأول هو الأظهر (٢)، وغضبه وشدة أسفه مما فعله قومه من عبادة العجل.

{غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ} قرأ هذا الحرف جمهور القراء: {بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي} بتحقيق الهمزة، وقرأه ورش عن نافع، والسوسي عن أبي عمرو: {بِيسَمَا خَلَفْتُمُونِي} بإبدال الهمزة ياءً.

ومعروف أن (بئس) في العربية فعل جامد لإنشاء الذم، وإذا جاءت بعدها (ما) فالخلاف فيها مشهور: هل فاعل (بئس) ضمير محذوف و «ما» نكرةٌ مميزةٌ لذلك الضمير؟ أو (ما) هو الفاعل؟ خلافٌ معروفٌ (٣)، وأقوال لأهل العلم فيها، أظهرها: أن الفاعل


(١) البيت في ضياء السالك (٢/ ٩٦)، الدر المصون (٢/ ٥٠٠).
(٢) انظر: ابن جرير (١٣/ ١٢٠).
(٣) انظر: الدر المصون (١/ ٥٠٧ - ٥٠٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>