تَرَانِي} [الأعراف: آية ١٤٣](لن) هنا حرف نفي {لَن تَرَانِي} يعني: لن تراني في هذه الدار الدنيا كما سنوضحه قريبًا إن شاء الله، والمعنى: أنت أضعف يا موسى من أن تقدر على رؤية خالق السماوات والأرض؛ لأن شأنه أعظم وأمره أكبر وأجلّ من أن يقدر على رؤيته أحد في الدنيا؛ لأن الناس في الدنيا مركّبون تركيبًا لا يبلغ غاية القوة، معرضون للموت والهلاك، فأنت بهذه الدار لا تقدر أن ترى رب السماوات والأرض، وهذا هو التحقيق في الآية كما سنوضحه إن شاء الله. ثم إن الله كأنه يقول له: هذا الجبل لا شك أنه أقوى منك وأصلب، فهو إذن سأتجلى له، فإنْ تحمّل الجبل رؤيتي وتجلِّيّ له فأنت يمكن أن تقدر وَسَتَرانِي، وإن عجز الجبل عن ذلك -صار دكًّا وصار فتاتًا ترابًا- علمتَ أن الشيء الذي يدك الجبال لا يقدر عليه الدم واللحم منك يا موسى، وهذا معنى قوله:{لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ} مع قوته وصلابته {فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ} وتحمّل تجلّيّ له فيمكن أن تراني، وإن صار الجبل فتاتًا فالذي يدك الجبال لا تقدر عليه أنت يا موسى، فأنت أضعف من أن تتحمل ذلك، وهذا معنى قوله:{فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} جاء في حديث عند الحاكم (١)
أن الله كشف من نوره شيئًا قليلاً بقدر بعض
(١) أخرجه أحمد (٣/ ١٢٥، ٢٠٩)، والترمذي في التفسير، (ومن سورة الأعراف) حديث رقم (٣٠٧٤)، (٥/ ٢٦٥)، وقال: «حديث حسن غريب صحيح، لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة» اهـ. والحاكم (٢/ ٣٢٠)، وقال: «صحيح على شرط مسلم» اهـ ووافقه الذهبي. وابن جرير (١٣/ ٩٨)، والطبراني في الأوسط (٢/ ٢٣٢)، وابن أبي حاتم في التفسير (٥/ ١٥٥٩)، (١٥٦٠)، وابن أبي عدي في الكامل (٢/ ٦٧٧)، وأورده البغوي في التفسير (٢/ ١٩٧)، وابن كثير (٢/ ٢٤٤)، والسيوطي في الدر (٣/ ١١٩)، وعزاه لأحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عدي وأبي الشيخ والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الرؤية .. وقد صحح سند الحديث ابن كثير في التفسير (٢/ ٢٤٤)، ومحمود شاكر في التعليق على ابن جرير (١٣/ ٩٨). وقد أخرج ابن جرير (رحمه الله) نحوه موقوفًا على ابن عباس (رضي الله عنهما) (١٣/ ٩٧).