وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الْوَقْتِ فَرْضٌ بِالنُّصُوصِ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ إلَّا فِيمَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ، وَهُوَ الْجَمْعُ بِالْجَمَاعَةِ مَعَ الْإِمَامِ وَالتَّقْدِيمُ لِصِيَانَةِ الْجَمَاعَةِ لِأَنَّهُ يَعْسُرُ عَلَيْهِمْ الِاجْتِمَاعُ لِلْعَصْرِ بَعْدَمَا تَفَرَّقُوا فِي الْمَوْقِفِ لَا لِمَا
فَيَسْتَوِيَانِ فِي جَوَازِ الْجَمْعِ (وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الْوَقْتِ فَرْضٌ بِالنُّصُوصِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، وَذَلِكَ فِيمَا وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مَعَ وُفُورِ الصَّحَابَةِ مِنْ الْجَمْعِ بِالْجَمَاعَةِ مَعَ الْإِمَامِ فَلَا يَجُوزُ بِدُونِهِ.
وَقَوْلُهُ (وَالتَّقْدِيمُ لِصِيَانَةِ الْجَمَاعَةِ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا وَتَقْرِيرُهُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ جَوَازَ الْجَمْعِ بِالتَّقْدِيمِ لِامْتِدَادِ الْوُقُوفِ بَلْ لِصِيَانَةِ الْجَمَاعَةِ، لِأَنَّهُ يَعْسُرُ عَلَيْهِمْ الِاجْتِمَاعُ لِلْعَصْرِ بَعْدَمَا تَفَرَّقُوا لِأَنَّ الْمَوْقِفَ مَوْضِعٌ وَاسِعٌ ذُو طُولٍ وَعَرْضٍ فَلَا يُمْكِنُهُمْ إقَامَةُ الْجَمَاعَةِ إلَّا بِالِاجْتِمَاعِ وَأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ مَرَّتَيْنِ فِي الْعَادَةِ فَعَجَّلُوا الْعَصْرَ لِئَلَّا تَفُوتَهُمْ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ لِحَقِّ الْوُقُوفِ، لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ تَفُوتُ لَا إلَى خَلْفٍ، وَحَقُّ الْوُقُوفِ يَتَأَدَّى قَبْلُ وَبَعْدُ وَمَعَهُ، إذْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْوُقُوفِ وَالصَّلَاةِ لِأَنَّ الْوُقُوفَ، لَا يَنْقَطِعُ بِالِاشْتِغَالِ بِالصَّلَاةِ كَمَا لَا يَنْقَطِعُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالتَّوَضُّؤِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَفِي كَلَامِهِ تَسَامُحٌ لِأَنَّهُ جَعَلَ عِلَّةَ تَقْدِيمِ الْعَصْرِ تَحْصِيلَ مَقْصُودِ الْوُقُوفِ حَيْثُ قَالَ: وَلِهَذَا قُدِّمَ الْعَصْرُ عَلَى وَقْتِهِ، وَهَاهُنَا جَعَلَ عِلَّتَهُ صِيَانَةَ الْجَمَاعَةِ، فَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْوُقُوفِ صِيَانَةَ الْجَمَاعَةِ صَحَّ الْكَلَامُ، لَكِنْ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ أَدَاءُ أَعْظَمِ رُكْنَيْ الْحَجِّ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ تَنَاقَضَ كَلَامُهُ وَتَوَارَدَ عِلَّتَانِ عَلَى مَعْلُولٍ وَاحِدٍ بِالشَّخْصِ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْوُقُوفِ شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا عَاجِلٌ وَالثَّانِي آجِلٌ. وَالْأَوَّلُ هُوَ امْتِدَادُ الْمُكْثِ لِأَجْلِ الدُّعَاءِ لِمَصَالِحِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ. وَالثَّانِي أَدَاءُ الرُّكْنِ وَصِيَانَةُ الْجَمَاعَةِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَقْدِيمُ الْعَصْرِ مَعْلُولًا لِتَحْصِيلِ مَقْصُودِ الْوُقُوفِ مِنْ حَيْثُ الْمَقْصُودُ الْأَوَّلُ، وَلِصِيَانَةِ الْجَمَاعَةِ مِنْ حَيْثُ الثَّانِي، وَإِذَا اخْتَلَفَتْ الْجِهَةُ انْدَفَعَ التَّنَاقُضُ وَتَوَارُدُ الْعِلَّتَيْنِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ لِلْمُكَلَّفِ هُوَ الِامْتِدَادُ فِي الْمُكْثِ لِأَجْلِ الدُّعَاءِ، وَلَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي وُجُودِ غَيْرِهِ فَقَالَا: مَا ثَمَّةَ غَيْرُهُ، وَفِيهِ الْمُنْفَرِدُ وَالْجَمَاعَةُ سَوَاءٌ، وَقَالَ: بَلْ ثَمَّةَ غَيْرُهُ، وَهُوَ مَا لَهُ مِنْ صِيَانَةِ الْجَمَاعَةِ، وَلَيْسَ الْمُنْفَرِدُ فِيهِ كَالْجَمَاعَةِ
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute