بَابُ النَّفَقَةِ
قَالَ (النَّفَقَةُ وَاجِبَةٌ لِلزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ كَافِرَةً إذَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا إلَى مَنْزِلِهِ فَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا وَكِسْوَتُهَا وَسُكْنَاهَا) وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وَقَوْلُهُ ﵊ فِي حَدِيثِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» وَلِأَنَّ النَّفَقَةَ جَزَاءُ الِاحْتِبَاسِ
بَابُ النَّفَقَةِ)
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ حَقِّ الْحَضَانَةِ لِلْوَلَدِ وَمَنْ لَهَا الْحَضَانَةُ احْتَاجَ إلَى بَيَانِ النَّفَقَةِ وَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَطْرَدَ بِذِكْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ السُّكْنَى وَغَيْرِهِ. وَالنَّفَقَةُ اسْمٌ بِمَعْنَى الْإِنْفَاقِ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِدْرَارِ عَلَى الشَّيْءِ بِمَا بِهِ يَقُومُ بَقَاؤُهُ. وَنَفَقَةُ الشَّخْصِ عَلَى غَيْرِهِ تَجِبُ بِأَسْبَابٍ: مِنْهَا الزَّوْجِيَّةُ وَمِنْهَا النَّسَبُ وَمِنْهَا الْمِلْكُ. وَفُتِحَ الْبَابُ بِنَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ أَصْلُ النَّسَبِ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ وَالنَّسَبُ أَقْوَى مِنْ الْمِلْكِ لِأَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الْوَلَدِ كَالْإِنْفَاقِ عَلَى نَفْسِهِ لِكَوْنِهِ جُزْءًا مِنْهُ وَكَذَا عَلَى الْوَالِدَيْنِ. قَالَ (النَّفَقَةُ وَاجِبَةٌ لِلزَّوْجَةِ عَلَى الزَّوْجِ مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ كَافِرَةً إذَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا إلَى مَنْزِلِهِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: هَذَا الشَّرْطُ لَيْسَ بِلَازِمٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بَعْدَ صِحَّةِ الْعَقْدِ النَّفَقَةُ وَاجِبَةٌ لَهَا وَإِنْ لَمْ تَنْتَقِلْ إلَى بَيْتِ الزَّوْجِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الزَّوْجَ لَوْ لَمْ يَطْلُبْ انْتِقَالَهَا إلَى بَيْتِهِ كَانَ لَهَا أَنْ تُطَالِبَهُ بِالنَّفَقَةِ.
وَقَالَ فِي الْإِيضَاحِ: وَهَذَا لِأَنَّ النَّفَقَةَ حَقُّ الْمَرْأَةِ وَالِانْتِقَالَ حَقُّ الزَّوْجِ، فَإِذَا لَمْ يُطَالِبْهَا بِالنُّقْلَةِ فَقَدْ تَرَكَ حَقَّهُ وَهَذَا لَا يُوجِبُ بُطْلَانَ حَقِّهَا (وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ أَمْرٌ بِالْإِنْفَاقِ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَيْ بِالْوَسَطِ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ فِي تَفْسِيرِهِ بِمَا يَعْرِفُونَ أَنَّهُ الْعَدْلُ عَلَى قَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَكَلِمَةُ عَلَى لِلْوُجُوبِ (وَقَوْلُهُ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) «أُوصِيكُمْ بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ، اتَّخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَإِنَّ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا، وَأَنْ لَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِأَحَدٍ تَكْرَهُونَهُ. فَإِذَا فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ» (وَ) إنَّ (لَهُنَّ عَلَيْكُمْ نَفَقَتَهُنَّ وَكِسْوَتَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلِأَنَّ النَّفَقَةَ جَزَاءُ الِاحْتِبَاسِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.