عَلَى فَوْتِ نِعْمَةِ النِّكَاحِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ لِصَوْنِهَا وَكِفَايَةُ مُؤَنِهَا، وَالْإِبَانَةُ أَقْطَعُ لَهَا مِنْ الْمَوْتِ حَتَّى كَانَ لَهَا أَنْ تُغَسِّلَهُ مَيِّتًا قَبْلَ الْإِبَانَةِ لَا بَعْدَهَا (وَالْحِدَادُ) وَيُقَالُ الْإِحْدَادُ وَهُمَا لُغَتَانِ (أَنْ تَتْرُكَ الطِّيبَ وَالزِّينَةَ وَالْكُحْلَ وَالدُّهْنَ الْمُطَيَّبَ وَغَيْرَ الْمُطَيَّبِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إلَّا مِنْ وَجَعٍ) وَالْمُعْتَدُّ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ إظْهَارِ التَّأَسُّفِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ دَوَاعِي الرَّغْبَةِ فِيهَا وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ عَنْ النِّكَاحِ فَتَجْتَنِبُهَا كَيْ لَا تَصِيرَ ذَرِيعَةً إلَى الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمِ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ لَمْ يَأْذَنْ لِلْمُعْتَدَّةِ فِي الِاكْتِحَالِ.
وَالدُّهْنُ لَا يَعْرَى عَنْ نَوْعِ طِيبٍ وَفِيهِ زِينَةُ الشَّعْرِ، وَلِهَذَا يُمْنَعُ الْمُحْرِمُ عَنْهُ قَالَ: إلَّا مِنْ عُذْرٍ لِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً، وَالْمُرَادُ الدَّوَاءُ.
وَكِفَايَةِ مُؤَنِهَا، وَالْإِبَانَةُ أَقْطَعُ لَهَا مِنْ الْمَوْتِ حَتَّى كَانَ لَهَا أَنْ تُغَسِّلَهُ مَيِّتًا قَبْلَ الْإِبَانَةِ لَا بَعْدَهَا فَكَانَ إلْحَاقُ الْمَبْتُوتَةِ بِالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا كَإِلْحَاقِ ضَرْبِ الْوَالِدَيْنِ بِالتَّأْفِيفِ. فَإِنْ قِيلَ: إنْ تَمَّ هَذَا فِي الْمُطَلَّقَةِ لَمْ يَتِمَّ فِي الْمُخْتَلِعَةِ لِأَنَّهَا قَدْ افْتَدَتْ نَفْسَهَا بِرِضَاهَا لِطَلَبِ الْخَلَاصِ مِنْهُ، فَكَيْفَ تَتَأَسَّفُ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْأَحْكَامَ إنَّمَا تُعْتَبَرُ بِالْمَوْضُوعَاتِ الْأَصْلِيَّةِ وَفَوَاتُ نِعْمَةِ النِّكَاحِ مِمَّا يُوجِبُ التَّأَسُّفَ بِوَضْعِهِ فَلَا مُعْتَبَرَ بِصُورَةِ نَقْضٍ صَدَرَتْ مِنْ نَاقِصَاتِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ.
لَا يُقَالُ: لَوْ كَانَ الْحِدَادُ لِمَا ذَكَرْتُمْ لَوَجَبَ عَلَى الْأَزْوَاجِ أَيْضًا لِأَنَّ نِعْمَةَ النِّكَاحِ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا. لِأَنَّا نَقُولُ: النَّصُّ لَمْ يَرِدْ إلَّا فِي الزَّوْجَاتِ، وَالْأَزْوَاجُ لَيْسُوا فِي مَعْنَاهُنَّ لِكَوْنِهِنَّ أَدْنَى مِنْهُنَّ فِي نِعْمَةِ النِّكَاحِ لِمَا فِيهِ مِنْ صِيَانَتِهِنَّ لِأَنَّهُنَّ لَحْمٌ عَلَى وَضَمٍ، وَدُرُورُ النَّفَقَةِ عَلَيْهِنَّ لِكَوْنِهِنَّ ضَعَائِفَ عَنْ التَّكَسُّبِ عَوَاجِزَ عَنْ التَّقَلُّبِ وَلَا كَذَلِكَ الْأَزْوَاجُ.
وَقَوْلُهُ (وَالْحِدَادُ وَيُقَالُ الْإِحْدَادُ) تَعْرِيفٌ لِلْحِدَادِ، وَكَانَ مَوْضِعُهُ أَوَّلَ الْكَلَامِ، وَأَتَى بِالْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِأَنَّ لَفْظَهُ يُخَالِفُ لَفْظَ الْقُدُورِيِّ، وَفِي الْوَجَعِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْعُذْرَ هُوَ التَّدَاوِي لَا الزِّينَةُ. وَقَوْلُهُ (وَالْمَعْنَى فِيهِ) أَيْ فِي إيجَابِ تَرْكِ الطِّيبِ وَالزِّينَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ إظْهَارِ التَّأَسُّفِ.
وَالثَّانِي أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ دَوَاعِي الرَّغْبَةِ فِيهَا لِأَنَّ الْمَرْأَةَ إنْ كَانَتْ مُتَزَيِّنَةً مُتَطَيِّبَةً تَزِيدُ رَغْبَةُ الرَّجُلِ فِيهَا (وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ عَنْ النِّكَاحِ) مَا دَامَتْ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ أَوْ الطَّلَاقِ (فَتَجْتَنِبُهَا كَيْ لَا تَصِيرَ ذَرِيعَةً) أَيْ وَسِيلَةً (إلَى الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمِ) وَهُوَ النِّكَاحُ (وَقَدْ صَحَّ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْذَنْ لِلْمُعْتَدَّةِ فِي الِاكْتِحَالِ») رُوِيَ عَنْ «أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَتْ: إنَّ زَوْجَ ابْنَتِي تُوُفِّيَ وَقَدْ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا أَفَنُكَحِّلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا» وَقَوْلُهُ (وَالْمُرَادُ الدَّوَاءُ) يَعْنِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُرَادُهَا بِالِاسْتِعْمَالِ الدَّوَاءَ لَا الزِّينَةَ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.