وَأَمَّا الزُّهْدُ وَالْوَرَعُ فِي الرِّيَاسَةِ وَالْمَالِ، فَلَا رَيْبَ أَنَّ عُثْمَانَ تَوَلَّى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ قَصَدَ الْخَارِجُونَ عَلَيْهِ قَتْلَهُ، وَحَصَرُوهُ وَهُوَ خَلِيفَةُ الْأَرْضِ، وَالْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ رَعِيَّتُهُ، وَهُوَ مَعَ هَذَا لَمْ يَقْتُلْ مُسْلِمًا، وَلَا دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِقِتَالٍ، بَلْ صَبَرَ حَتَّى قُتِلَ.
لَكِنَّهُ فِي الْأَمْوَالِ كَانَ يُعْطِي لِأَقَارِبِهِ مِنَ الْعَطَاءِ مَا لَا يُعْطِيهِ لِغَيْرِهِمْ، وَحَصَلَ مِنْهُ نَوْعُ تَوَسُّعٍ فِي الْأَمْوَالِ، وَهُوَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا فَعَلَهُ إِلَّا مُتَأَوِّلًا فِيهِ (١) ، لَهُ اجْتِهَادٌ وَافَقَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ (٢) مِنَ الْفُقَهَاءِ، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ مَا أَعْطَاهُ اللَّهُ لِلنَّبِيِّ مِنَ الْخُمْسِ وَالْفَيْءِ هُوَ لِمَنْ يَتَوَلَّى الْأَمْرَ بَعْدَهُ، كَمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ وَغَيْرِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: ذَوُو الْقُرْبَى الْمَذْكُورُونَ فِي الْقُرْآنِ هُمْ ذَوُو قُرْبَى الْإِمَامِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْإِمَامُ الْعَامِلُ عَلَى الصَّدَقَاتِ يَأْخُذُ مِنْهَا مَعَ الْغِنَى. وَهَذِهِ كَانَتْ مَآخِذَ (٣) عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَمَا هُوَ مَنْقُولٌ عَنْهُ. فَمَا فَعَلَهُ هُوَ نَوْعُ تَأْوِيلٍ يَرَاهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ.
وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَخُصَّ أَحَدًا مِنْ أَقَارِبِهِ بِعَطَاءٍ، لَكِنِ ابْتَدَأَ بِالْقِتَالِ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَبَدِّئًا بِالْقِتَالِ (٤) ، حَتَّى قُتِلَ بَيْنَهُمْ أُلُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانَ مَا فَعَلَهُ هُوَ مُتَأَوِّلٌ فِيهِ تَأْوِيلًا وَافَقَهُ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَقَالُوا: إِنَّ هَؤُلَاءِ بُغَاةٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِقِتَالِ الْبُغَاةِ بِقَوْلِهِ: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي} [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: ٩]
(١) ن، م، س:. . مَا فَعَلَهُ مُتَأَوِّلٌ فِيهِ.(٢) م: طَائِفَةٌ.(٣) ن: مَآخِذَ. وَمَعْنَى الْمُثْبَتِ: أَنَّ هَذِهِ هِيَ الطَّرِيقَةُ الَّتِي أَخَذَ بِهَا عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.(٤) بِالْقِتَالِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (س) ، (ب) .
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute