وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ عَلِيٍّ، وَلَا نِزَاعَ فِي هَذَا، لَكِنْ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَقْضَى الصَّحَابَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " مَعْرِفَةُ الْقَضَايَا بِالْإِلْهَامِ " (١) فَهَذَا خَطَأٌ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْإِلْهَامِ بِمَعْنَى أَنَّهُ مَنْ أُلْهِمَ أَنَّهُ صَادِقٌ حَكَمَ بِذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الْإِلْهَامِ، فَهَذَا (٢) لَا يَجُوزُ فِي دِينِ الْمُسْلِمِينَ.
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: " «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَإِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ» " (٣) . فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَقْضِي بِالسَّمْعِ لَا بِالْإِلْهَامِ، فَلَوْ كَانَ الْإِلْهَامُ طَرِيقًا لَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَقَّ بِذَلِكَ، وَكَانَ اللَّهُ يُوحِي إِلَيْهِ مَعْرِفَةَ صَاحِبِ الْحَقِّ ; فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ وَلَا إِقْرَارٍ، وَلَمْ يَكُنْ يَنْهَى أَحَدًا أَنْ يَأْخُذَ مِمَّا يُقْضَى لَهُ، وَلَمَا حَكَمَ فِي اللِّعَانِ بِالْفُرْقَةِ قَالَ: " إِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا فَهُوَ لِلزَّوْجِ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا فَهُوَ لِلَّذِي رُمِيَتْ بِهِ " فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ، فَقَالَ: " «لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» " (٤)
(١) وَهُوَ قَوْلُهُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي التَّعْلِيقِ الْأَسْبَقِ ". . . مَنْ يَقْضِي عَلَى سُنَنِ دَاوُدَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، يَعْنِي بِهِ الْقَضَاءَ بِالْإِلْهَامِ ".(٢) س، ب: وَهَذَا.(٣) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى ٦/٤١٢.(٤) الْحَدِيثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي: الْبُخَارِيِّ ٦/١٠٠ - ١٠١ (كِتَابُ التَّفْسِيرِ، سُورَةُ النُّورِ، بَابُ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ. . .) وَأَوَّلُهُ: " أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ. . . الْحَدِيثَ وَفِيهِ. . . فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أَبْصِرُوهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ " فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ " وَالْحَدِيثُ فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ٢/٣٦٩ - ٣٧٠ (كِتَابُ الطَّلَاقِ، بَابٌ فِي اللِّعَانِ) ، سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ ٥/١٢ - ١٣ (كِتَابُ التَّفْسِيرِ، سُورَةُ النُّورِ) ، سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ ١/٦٦٨ (كِتَابُ الطَّلَاقِ، بَابُ اللِّعَانِ. وَانْظُرْ نَيْلَ الْأَوْطَارِ ٧/٦٧ - ٦٨.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute