بِذَلِكَ، وَلَا بِكَوْنِهِ صَادِقًا، فَلَا يَتَعَيَّنُ الْكَوْنُ مَعَ وَاحِدٍ دُونَ الثَّلَاثَةِ. بَلْ لَوْ قَدَّرْنَا التَّعَارُضَ لَكَانَ الثَّلَاثَةُ أَوْلَى مِنَ الْوَاحِدِ، فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ عَدَدًا، لَا سِيَّمَا وَهُمْ أَكْمَلُ فِي الصِّدْقِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ لَمَّا تَخَلَّفَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَصَدَقَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ، وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِبَرَكَةِ الصِّدْقِ، وَكَانَ جَمَاعَةٌ أَشَارُوا عَلَيْهِ بِأَنْ يَعْتَذِرَ وَيَكْذِبَ، كَمَا اعْتَذَرَ غَيْرُهُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَكَذَبُوا. وَهَذَا ثَابِتٌ فِي الصِّحَاحِ وَالْمَسَانِدِ (١) وَكُتُبِ التَّفْسِيرِ وَالسِّيَرِ، وَالنَّاسُ مُتَّفِقُونَ عَلَيْهِ (٢) .
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِعَلِيٍّ اخْتِصَاصٌ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، بَلْ قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: " فَقَامَ إِلَيَّ طَلْحَةُ يُهَرْوِلُ فَعَانَقَنِي، وَاللَّهِ مَا قَامَ إِلَيَّ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ " (٣) فَكَانَ كَعْبٌ لَا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ بَطَلَ حَمْلُهَا عَلَى عَلِيٍّ وَحْدَهُ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُقَالُ: إِنَّهُ مَعْصُومٌ، لَا عَلِيٌّ وَلَا غَيْرُهُ. فَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ أَرَادَ {مَعَ الصَّادِقِينَ} وَلَمْ يُشْتَرَطْ كَوْنُهُ مَعْصُومًا.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ قَالَ: {مَعَ الصَّادِقِينَ} وَهَذِهِ صِيغَةُ جَمْعٍ، وَعَلِيٌّ وَاحِدٌ، فَلَا يَكُونُ هُوَ الْمُرَادَ وَحْدَهُ.
السَّادِسُ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {مَعَ الصَّادِقِينَ} إِمَّا أَنْ يُرَادَ: كُونُوا مَعَهُمْ فِي
(١) ن: وَالْمَسَانِيدِ.(٢) انْظُرْ تَفْسِيرَ ابْنِ كَثِيرٍ لِلْآيَتَيْنِ ١١٨، ١١٩ مِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ الرِّوَايَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ لِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ.(٣) سَبَقَ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فِيمَا مَضَى ٢/٤٣٣.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute