. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[نيل الأوطار]
فِي وَقْتٍ آخَرَ وَهُوَ وَقْتُ رُجُوعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الصَّعْبُ أَحْضَرَ الْحِمَارَ مَذْبُوحًا ثُمَّ قَطَعَ مِنْهُ عُضْوًا بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدَّمَهُ لَهُ فَمَنْ قَالَ: أَهْدَى حِمَارًا أَرَادَ بِتَمَامِهِ مَذْبُوحًا لَا حَيًّا، وَمَنْ قَالَ: لَحْمَ حِمَارٍ أَرَادَ مَا قَدَّمَهُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنْ قَالَ: حِمَارًا أَطْلَقَ وَأَرَادَ بَعْضَهُ مَجَازًا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَهْدَاهُ لَهُ حَيًّا فَلَمَّا رَدَّهُ عَلَيْهِ ذَكَّاهُ وَأَتَاهُ بِعُضْوٍ مِنْهُ ظَانًّا أَنَّهُ إنَّمَا رَدَّهُ عَلَيْهِ لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِجُمْلَتِهِ فَأَعْلَمَهُ بِامْتِنَاعِهِ أَنَّ حُكْمَ الْجُزْءِ مِنْ الصَّيْدِ حُكْمُ الْكُلِّ، وَالْجَمْعُ مَهْمَا أَمْكَنَ أَوْلَى مِنْ تَوْهِيمِ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ قَوْلُهُ: (إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ) .
قَالَ فِي الْفَتْحِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: ضَبَطْنَاهُ فِي الرِّوَايَاتِ بِفَتْحِ الدَّالِ وَأَبَى ذَلِكَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَقَالُوا: الصَّوَابُ أَنَّهُ بِضَمِّ الدَّالِ؛ لِأَنَّ الْمُضَاعَفَ مِنْ الْمَجْزُومِ يُرَاعَى فِيهِ الْوَاوُ الَّتِي تُوجِبُهَا ضَمَّةُ الْهَاءِ بَعْدَهَا قَالَ وَلَيْسَ الْفَتْحُ بِغَلَطٍ بَلْ ذَكَرَهُ ثَعْلَبٌ فِي الْفَصِيحِ نَعَمْ تَعَقَّبُوهُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ ضَعِيفٌ وَأَجَازُوا فِيهِ الْكَسْرَ وَهُوَ أَضْعَفُ الْأَوْجُهِ وَهِيَ لُغَةٌ حَكَاهَا الْأَخْفَشُ عَنْ بَنِي عَقِيلٍ وَإِذَا وَلِيَهُ ضَمِيرُ الْمُؤَنَّثِ نَحْوَ رَدَّهَا فَالْفَتْحُ لَازِمٌ اتِّفَاقًا كَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمَيْهَنِيِّ لَمْ نَرْدُدْهُ بِفَكِّ الْإِدْغَامِ وَضَمِّ الْأُولَى وَسُكُونِ الثَّانِيَةِ، وَلَا إشْكَالَ فِيهِ قَوْلُهُ: (إلَّا أَنَّا حُرُمٌ) زَادَ النَّسَائِيّ لَا نَأْكُلُ الصَّيْدَ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «إنَّا لَا نَأْكُلُهُ إنَّا حُرُمٌ» وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهَذَا مَنْ قَالَ بِتَحْرِيمِ الْأَكْلِ مِنْ لَحْمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ اقْتَصَرَ فِي التَّعْلِيلِ عَلَى كَوْنِهِ مُحْرِمًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ سَبَبُ الِامْتِنَاعِ خَاصَّةً وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَاللَّيْثِ وَالثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ وَالْهَادَوِيَّةِ وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ} [المائدة: ٩٦] وَلَكِنَّهُ يُعَارِضُ ذَلِكَ حَدِيثُ طَلْحَةَ وَحَدِيثُ الْبَهْزِيِّ وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْأَحَادِيثُ.
وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَطَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ إنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُ لَحْمِ الصَّيْدِ مُطْلَقًا وَتَمَسَّكُوا بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي سَتَأْتِي وَكِلَا الْمَذْهَبَيْنِ يَسْتَلْزِمُ إطْرَاحَ بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِلَا مُوجِبٍ، وَالْحَقُّ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْمُخْتَلِفَةِ فَقَالُوا: أَحَادِيثُ الْقَبُولِ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا يَصِيدُهُ الْحَلَالُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ يُهْدِي مِنْهُ لِلْحُرُمِ وَأَحَادِيثُ الرَّدِّ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا صَادَهُ الْحَلَالُ لِأَجْلِ الْمُحْرِمِ قَالُوا: وَالسَّبَبُ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الْإِحْرَامِ عِنْدَ الِاعْتِذَارِ لِلصَّعْبِ أَنَّ الصَّيْدَ لَا يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْءِ إذَا صِيدَ لَهُ إلَّا إذَا كَانَ مُحْرِمًا فَاقْتَصَرَ عَنْ تَبْيِينِ الشَّرْطِ الْأَصْلِيِّ وَسَكَتَ عَمَّا عَدَاهُ فَلَمْ يَدُلَّ عَلَى نَفْيِهِ وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْجَمْعَ حَدِيثُ جَابِرٍ الْآتِي
١٩١٢ - وَعَنْ عَلِيٍّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِبَيْضِ النَّعَامِ فَقَالَ إنَّا قَوْمٌ حُرُمٌ أَطْعِمُوهُ أَهْلَ الْحِلِّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.