ألا يَنْهاكُم العِلمُ الذي جَاءكُم، عن مَسأَلَتِهم؟ ! واللهِ، ما رَأينا رَجُلًا منهم قَطُّ يَسْأَلُكُم عَمَّا أَنزَلَ اللهُ إليكُم» (١).
هذا: قوله في «كتاب الحدود»، وبمعناه أجاب في «كتاب القضاء باليمين مع الشاهد».
وقال فيه:«فَسمعتُ مَن أَرْضَى عِلمَه، يقول:{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ}[المائدة: ٤٩]-إن حَكَمْتَ- على معنى قوله:{فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ}[المائدة: ٤٢]. فَتِلكَ مُفَسَّرَةٌ، وهذه جُمْلَةٌ.
وفي قوله - عز وجل -: {فَإِنْ تَوَلَّوْا}[المائدة: ٤٩] دِلالَةٌ على أنهم إن تولوا، لم يَكُن عليه الحُكمُ بينهم.
ولو كان قول الله - عز وجل -: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ}[المائدة: ٤٩] إلزامًا منه للحُكم بينهم = ألزمهم الحُكمَ مُتَولِّين؛ لأنهم إنما يَتَولَّوْن بَعد الإتْيَان، فَأمَّا مَا لم يَأْتُوا، فلا يُقَال لهم تَوَلَّوْا» (٢).
(١٧٥) وقد أخبرنا أبو سعيد - «في كتاب الجِزية» - حدثنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، قال: «لم أعلم مُخَالِفًا -مِن أَهلِ العِلم بالسِّيَر- أَنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا نَزَل المَدِينةَ، وَادَع يَهودَ كَافَّة على غير جِزية، وأَنَّ قَولَ اللهِ - عز وجل -: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ}[المائدة: ٤٢]. إنما نَزلَت في اليَهُود المُوادِعِين، الذين لم يُعْطُوا جِزيةً، ولم يُقِرُّوا بأن تَجري
(١) «الأم» (٧/ ٣٦٢)، والأثر أخرجه البخاري (٧٣٦٢)، من طريق إبراهيم بن سعد. (٢) «الأم» (٨/ ١٠٣).