من الملائكة غير الموكلين بآدم وذريته، وأطلق عليهم القرآن العالين، كما جاء في قوله -جل وعلا- في سورة ص آية (٧٥): ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾.
﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾: آدم: يمثل أبو البشر. قيل: اسجدوا سجود تكريم، وطاعة، وتعظيم، وليس سجود عبادة، مثل: سجود إخوة يوسف وأبويه له، سجود تحية، ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾، جاء هذا الأمر، قبل أن يعصي آدم ربه، ويأكل من الشجرة، وأمروا بالسجود لآدم فقط، وليس لذريته، ولتعلم أنّ السجود كان معروفاً قبل مجيء رسول الله ﷺ، أما بعد بعثته ﷺ، فلا سجود إلَّا لله تعالى.
﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]؛ فسجد الملائكة الموكلون بآدم وذرية آدم، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، ﴿إِبْلِيسَ﴾: اسم مشتق من الإبلاس، وهو الحزن الناشئ عن شدة اليأس من رحمة الله. والمبلس: الساكت الذي لا حُجة له، وهو اسم أعجمي، لا اشتقاق له.
﴿أَبَى﴾: الإباء: شدة الامتناع؛ امتنع عن السجود.
﴿وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾: جمعت هذه الآية الإباء، والاستكبار، والكفر معاً، وإبليس هو أبو الجن، وكما قال ابن عبّاس ﵄: كان ذا منزلة عالية، بين الملائكة، ومطيعاً لله، وكان جليس الملائكة، يجلس معهم، وإبليس كان من الجن، وكان مع الملائكة، حين صدر الأمر الإلهي، بالسجود لآدم، وشمله الأمر، والدليل على شمول الأمر، هو قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِنْ نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾، [سورة الأعراف، الآية ١٢]. ارجع إلى تتمة قصة إبليس في السور الأخرى، وانتبه إلى قوله: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾، كان؛ هنا، لا تعني الزمن الماضي، وإنما الحاضر، والمستقبل؛ لأنه حتّى تلك اللحظة، كان ذا منزلة عالية، وأصبح من الكافرين، بعد أن أبى أن يسجد، واستكبر، ولم