وَأَمَّا الثَّابِتُ بِاقْتِضَاءِ النَّصِّ فَمَا لَمْ يَعْمَلْ إلَّا بِشَرْطٍ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ اقْتَضَاهُ النَّصُّ لِصِحَّةِ مَا تَنَاوَلَهُ، فَصَارَ هَذَا مُضَافًا إلَى النَّصِّ بِوَاسِطَةِ الْمُقْتَضَى، وَكَانَ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ
ــ
[كشف الأسرار]
عِبَارَةً عَنْ نَوْعٍ مِنْ الْإِلْحَاقِ يَشْمَلُ هَذِهِ الصُّورَةَ وَلَا مُشَاحَّةَ فِي عِبَارَةِ
[الثَّابِتُ بِاقْتِضَاءِ النَّصِّ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الثَّابِتُ بِاقْتِضَاءِ النَّصِّ إلَى آخِرِهِ) الِاقْتِضَاءُ الطَّلَبُ وَمِنْهُ اقْتَضَى الدَّيْنَ وَتَقَاضَاهُ أَيْ طَلَبَهُ، قِيلَ فِي تَفْسِيرِ الْمُقْتَضَى هُوَ مَا أُضْمِرَ فِي الْكَلَامِ ضَرُورَةَ صِدْقِ الْمُتَكَلِّمِ وَنَحْوَهُ، وَقِيلَ هُوَ الَّذِي لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ وَلَا يَكُونُ مَنْطُوقًا لَكِنْ يَكُونُ مِنْ ضَرُورَةِ اللَّفْظِ، وَقَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ: هُوَ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ لَمْ يَتَحَقَّقْ مَعْنَى النَّصِّ بِدُونِهَا فَاقْتَضَاهَا النَّصُّ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَاهُ وَلَا يَلْغُو، وَهَذِهِ الْعِبَارَاتُ تُؤَدِّي مَعْنًى وَاحِدًا وَلَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةِ قَيْدٍ فِي التَّعْرِيفِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ جَعَلَ الْمَحْذُوفَ قِسْمًا آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ هُوَ مَا ثَبَتَ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ لِتَصْحِيحِهِ شَرْعًا، وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّرْعَ مَتَى دَلَّ عَلَى زِيَادَةِ شَيْءٍ فِي الْكَلَامِ لِصِيَانَتِهِ عَنْ اللَّغْوِ وَنَحْوِهِ فَالْحَامِلُ عَلَى الزِّيَادَةِ، وَهُوَ صِيَانَةُ الْكَلَامِ هُوَ الْمُقْتَضِي وَالْمَزِيدُ هُوَ الْمُقْتَضَى وَدَلَالَةُ الشَّرْعِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالزِّيَادَةِ هُوَ الِاقْتِضَاءُ كَذَا ذَكَرَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ، وَقِيلَ الْكَلَامُ الَّذِي لَا يَصِحُّ شَرْعًا إلَّا بِالزِّيَادَةِ هُوَ الْمُقْتَضِي وَطَلَبُهُ الزِّيَادَةَ هُوَ الِاقْتِضَاءُ وَالْمَزِيدُ هُوَ الْمُقْتَضَى وَمَا ثَبَتَ بِهِ هُوَ حُكْمُ الْمُقْتَضَى. وَمِثَالُهُ الْمَشْهُورُ قَوْلُك لِغَيْرِك اعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي بِأَلْفٍ فَنَفْسُ هَذَا الْكَلَامِ هُوَ الْمُقْتَضَى لِعَدَمِ صِحَّتِهِ فِي نَفْسِهِ شَرْعًا وَطَلَبُهُ مَا يَصِحُّ بِهِ اقْتِضَاءٌ وَمَا زِيدَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْبَيْعُ مُقْتَضًى وَمَا ثَبَتَ بِالْبَيْعِ، وَهُوَ الْمِلْكُ حُكْمُ الْمُقْتَضَى وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ لَفْظَةِ الثَّابِتِ إنْ كَانَ الْمُقْتَضِي؛ لِأَنَّهُ هُوَ الثَّابِتُ بِاقْتِضَاءِ النَّصِّ فَمَعْنَى قَوْلِهِ وَأَمَّا الثَّابِتُ بِاقْتِضَاءِ النَّصِّ وَأَمَّا الْمُقْتَضَى، وَالضَّمِيرُ الْمُسْتَكِنُ فِي لَمْ يَعْمَلْ وَالْبَارِزُ فِي عَلَيْهِ رَاجِعَانِ إلَى النَّصِّ، وَيُقْرَأُ بِشَرْطِ تَقَدُّمٍ عَلَى الْإِضَافَةِ وَيَكُونُ التَّنْوِينُ فِي تَقَدُّمٍ عِوَضًا عَنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ، وَهُوَ الضَّمِيرُ الْعَائِدُ إلَى مَا أَيْ بِشَرْطِ تَقَدُّمِهِ كَمَا يَقْتَضِيه هَذَا الْمَقَامُ، وَكَذَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا بَعْدُ، وَذَلِكَ وَهَذَا إشَارَتَانِ إلَى الثَّابِتِ، وَالْمُقْتَضَى بِالْفَتْحِ فِي قَوْلِهِ بِوَاسِطَةِ الْمُقْتَضَى بِمَعْنَى الِاقْتِضَاءِ؛ لِأَنَّ زِنَةَ الْمَفْعُولِ مِنْ أَوْزَانِ الْمَصَادِرِ فِي الْمُنْشَعِبَاتِ، وَاللَّامُ فِيهِ بَدَلُ الْإِضَافَةِ، وَالْفَاءُ فِي فَإِنَّ " إشَارَةٌ " إلَى تَعْلِيلِ تَسْمِيَتِهِ بِهَذَا الِاسْمِ أَوْ إلَى تَعْلِيلِ اشْتِرَاطِ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ.
وَهِيَ فِي فَصَارَ لِبَيَانِ كَوْنِهِ نَتِيجَةً لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ وَأَمَّا الْمُقْتَضَى فَالشَّيْءُ الَّذِي لَمْ يَعْمَلْ النَّصَّ أَيْ لَمْ يُفِدْ شَيْئًا وَلَمْ يُوجِبْ حُكْمًا إلَّا بِشَرْطِ تَقَدُّمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ عَلَى النَّصِّ؛ وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا الشَّيْءُ بِالْمُقْتَضَى؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ اقْتَضَاهُ النَّصِّ؛ وَإِنَّمَا شُرِطَ تَقَدُّمُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرُ اقْتِضَاءِ النَّصِّ لِصِحَّةِ مَا تَنَاوَلَ النَّصُّ إيَّاهُ فَتَكُونُ صِحَّةُ النَّصِّ مُتَوَقِّفَةً عَلَيْهِ تَوَقُّفَ الْمَشْرُوطِ عَلَى الشَّرْطِ فَيُقَدَّمُ لَا مَحَالَةَ وَلَمَّا اقْتَضَى النَّصُّ ذَلِكَ الشَّيْءَ لِصِحَّتِهِ صَارَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مُضَافًا إلَى النَّصِّ بِوَاسِطَةِ اقْتِضَاءِ النَّصِّ إيَّاهُ، وَيُؤَكِّدُ هَذَا الْوَجْهَ مَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْمُقْتَضَى عِبَارَةٌ عَنْ زِيَادَةٍ عَلَى الْمَنْصُوصِ بِشَرْطِ تَقْدِيمِهِ لِيَصِيرَ الْمَنْظُومُ مُفِيدًا أَوْ مُوجِبًا لِلْحُكْمِ وَبِدُونِهِ لَا يُمْكِنُ إعْمَالُ الْمَنْظُومِ، وَرَأَيْت فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ وَأَمَّا الثَّابِتُ بِطَلَبِ النَّصِّ لِنَفْسِهِ فَشَيْءٌ لَمْ يَعْمَلْ النَّصُّ بِدُونِ تَقَدُّمِهِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.