وَعَلَامَتُهُ أَنْ يَصِحَّ بِهِ الْمَذْكُورُ، وَلَا يُلْغَى عِنْدَ ظُهُورِهِ وَيَصْلُحُ لِمَا أُرِيدَ بِهِ فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: ٨٢] فَإِنَّ الْأَهْلَ غَيْرُ مُقْتَضًى لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ لَمْ يَتَحَقَّقْ فِي الْقَرْيَةِ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ بَلْ هَذَا
ــ
[كشف الأسرار]
عَلَى النَّصِّ فَإِنَّ النَّصَّ اقْتَضَاهُ لِيَكُونَ مُتَنَاوَلُهُ صَحِيحًا فَصَارَ مُتَنَاوَلُ النَّصِّ مُضَافًا إلَى النَّصِّ لَكِنْ بِوَاسِطَةِ الْمُقْتَضَى إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْمُقْتَضَى لَمَا صَحَّ مَا تَنَاوَلَهُ النَّصُّ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ لَا يَكُونُ مُضَافًا إلَى النَّصِّ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، «شِرَاءُ الْقَرِيبِ إعْتَاقٌ» ، أَضَافَ الْإِعْتَاقَ إلَى الشِّرَاءِ بِوَاسِطَةِ مُقْتَضَاهُ، وَهُوَ الْمِلْكُ هُوَ الَّذِي يُوجِبُ الْعِتْقَ فِي الْقَرِيبِ لَا الشِّرَاءُ وَلَوْلَا الْمُقْتَضَى لَمَا صَحَّ إضَافَةُ الْإِعْتَاقِ إلَى الشِّرَاءِ فَجَعَلَ هَذَا الشَّارِحُ اسْمَ الْإِشَارَةِ رَاجِعًا إلَى مَا فِي مُتَنَاوَلِهِ وَهَذَا وَجْهٌ حَسَنٌ أَيْضًا؛ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ الثَّابِتِ حُكْمُ الْمُقْتَضَى كَمَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الثَّابِتِ الْحُكْمُ فِيمَا تَقَدَّمَ فَالِاقْتِضَاءُ بِمَعْنَى الْمُقْتَضَى وَيُقْرَأُ بِشَرْطٍ بِالتَّنْوِينِ وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ صِفَةٌ لَهُ.
وَذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى الشَّرْطِ وَهَذَا إلَى الثَّابِتِ، وَالْمُقْتَضَى بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، وَالْفَاءُ فِي فَإِنَّ لِلْإِشَارَةِ إلَى تَعْلِيلِ التَّقَدُّمِ لَا غَيْرُ، وَهِيَ فِي فَصَارَ لِلْإِشَارَةِ إلَى كَوْنِ إضَافَةِ الْحُكْمِ نَتِيجَةً لِلِاقْتِضَاءِ، وَتَقْدِيرُهُ وَأَمَّا الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِمُقْتَضَى النَّصِّ فَمَا لَمْ يَعْمَلْ النَّصُّ فِي إثْبَاتِهِ أَيْ لَمْ يُوجِبْهُ إلَّا بِشَرْطِ تَقَدُّمٍ عَلَى النَّصِّ؛ وَإِنَّمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ الشَّرْطُ؛ لِأَنَّهُ أَمْرُ اقْتِضَاءِ النَّصِّ لِصِحَّةِ مُتَنَاوَلِهِ وَلَمَّا كَانَ مُثْبِتُ ذَلِكَ الْحُكْمِ مُضَافًا إلَى النَّصِّ؛ لِأَنَّ النَّصَّ اقْتَضَاهُ صَارَ الْحُكْمُ مُضَافًا إلَى النَّصِّ أَيْضًا بِوَاسِطَتِهِ فَلَا يَكُونُ ثَابِتًا بِالرَّأْيِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ فَكَانَ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ أَيْ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْمُقْتَضِي أَوْ الْمُقْتَضَى عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ، قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الثَّابِتَ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ بِمَنْزِلَةِ الثَّابِتِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ لَا بِمَنْزِلَةِ الثَّابِتِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْوَجْهَ مَا قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَأَمَّا الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِمُقْتَضَى النَّصِّ فَمَا ثَبَتَ بِشَيْءٍ زَائِدٍ عَلَى النَّصِّ اقْتَضَاهُ النَّصُّ فَيَكُونُ الْحُكْمُ ثَابِتًا بِالنَّصِّ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضَى ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَالْحُكْمُ ثَبَتَ بِالْمُقْتَضَى فَيَكُونُ الْمُقْتَضَى مَعَ حُكْمِهِ ثَابِتَيْنِ بِالنَّصِّ.
قَوْلُهُ (وَعَلَامَتُهُ إلَى آخِرِهِ) اعْلَمْ أَنَّ عَامَّةَ الْأُصُولِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَجَمِيعَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجَمِيعَ الْمُعْتَزِلَةِ جَعَلُوا مَا يُضْمَرُ فِي الْكَلَامِ لِتَصْحِيحِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ، مَا أُضْمِرَ ضَرُورَةَ صِدْقِ الْمُتَكَلِّمِ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ» الْحَدِيثَ، وَمَا أُضْمِرَ لِصِحَّتِهِ عَقْلًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى إخْبَارًا، {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: ٨٢] ، وَمَا أُضْمِرَ لِصِحَّتِهِ شَرْعًا كَقَوْلِ الرَّجُلِ اعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي بِأَلْفٍ وَسَمَّوْا الْكُلَّ مُقْتَضًى؛ وَلِهَذَا قَالُوا فِي تَحْدِيدِهِ هُوَ جَعْلُ غَيْرِ الْمَنْطُوقِ مَنْطُوقًا لِتَصْحِيحِ الْمَنْطُوقِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الْعُمُومِ فِي الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَبَعْضُهُمْ إلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ جَوَازِهِ فِي جَمِيعِهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْقَاضِي الْإِمَامِ.
وَخَالَفَهُمْ الْمُصَنِّفُ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَصَدْرُ الْإِسْلَامِ وَصَاحِبُ الْمِيزَانِ فِي ذَلِكَ فَأَطْلَقُوا اسْمَ الْمُقْتَضَى عَلَى مَا أُضْمِرَ لِصِحَّةِ الْكَلَامِ شَرْعًا فَقَطْ وَجَعَلُوا مَا وَرَاءَهُ قِسْمًا وَاحِدًا وَسَمَّوْهُ مَحْذُوفًا أَوْ مُضْمَرًا وَقَالُوا: بِجَوَازِ الْعُمُومِ فِي الْمَحْذُوفِ دُونَ الْمُقْتَضَى إلَّا أَبَا الْيُسْرِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِعُمُومِ الْمَحْذُوفِ أَيْضًا؛ وَإِنْ سَلَّمَ أَنَّهُ غَيْرُ الْمُقْتَضَى وَسَيَأْتِيك الْكَلَامُ فِيهِ مَشْرُوحًا إنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ أَرَادَ الشَّيْخُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الْمُقْتَضَى وَالْمَحْذُوفِ بِبَيَانِ الْعَلَامَةِ،
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.