للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

أما تلك الخصائص القائمة على هذا الأساس، فأولاها التوسع في نقل الألفاظ من مجالات استعمالها القريبة المألوفة، إلى مجالات أخرى بعيدة مبتكرة، لا عن طريق المجاز القديم المعتمد على العلاقات التي ذكرها البلاغيون، وإنما عن طريق مجاز جديد معتمد على تراسل الحواس، بحيث يستعمل للشيء المسموع ما أصله للشيء الملموس، أو المرئي أو المشموم، ويستخدم للشيء المشموم ما من شأنه أن يستخدم للشيء المرئي، أو الملموس أوالمسموع، وهكذا. ومن هنا يتحدثون عن نعومة النغم، أو بياض اللحن، أو تعطر الأغنية، كما يتحدثون عن العطر القمري، أو الأريج الناعم، أو العبير المنغوم، ومن ذلك قول الهمشري مخاطبًا "النارنجة الذابلة":

خنقت جفوني ذكرياتٌ حلوة ... من عطرك القمري والنغم الوضي

فانساب منك على كليل مشاعري ... ينبوع لحن في الخيال مفضض

وهفت عليك الروح من وادي الأسى ... لتعب من خمر الأريج الأبيض١

فالشاعر في البيت الأول يستعمل للعطر -وهو مشموم- صفة القمرية المفيدة للإشراق، وشأنها أن تستعمل للمنظور، كما يستعمل للنغم- وهو مسموع- صفة الوضاءة، وشأنها أن تستعمل كذلك للمنظور.

وهو في البيت الثاني يستعمل كلمة ينبوع مع اللحن، وشأنها أن تستعمل مع الماء ونحوه، ثم يجعل هذا اللحن مفضضًا، كما تجعل الأشياء التي تدرك بالعين لا بالأذن.

ثم هو في البيت الثالث يعطي الأريج -وهو من المشمومات- صفة البياض التي من شأنها أن تكون للمرئيات.

ومثل هذا الاستعمال كثير عند شعراء هذا الاتجاه، وبخاصة عند الهمشري الذي كان أكثرهم إيغالا فيه.

ومصدر هذه الخاصة التعبيرية عندهم؛ التأثر بالشعراء الرمزيين، الذين كانت هذه الخاصة من أبرز سمات أسلوبهم، والذين اتصل رواد هذا الاتجاه


١ انظر: الروائع ص١٣.

<<  <   >  >>