للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

قد حرت في الموت وفي أمره ... وما زواه الله من سره

وكلما سألت عنه امرأ ... أجابني: والله لم أدره

والروح إما حل في غيره ... أو آثر الإخلاد في بئره

فلم يقول الناس مات امرؤ ... إن هاجر الدنيا إلى قبره

أليس في القرر حياة امرئ ... تطول بالمرء إلى حشره

فكيف قالوا: إنه ميت ... من يوم أن غيب عن دهره

وليس بعد رحلته سوى ... جديد عيش دب في إثره١

وأخيرًا من هذا الشعر التأملي، هذه القصيدة الجريئة التي تعالج تجربة الشك، وتجعل الموت هو العصا التي ترفع في وجه العباد، فتحملهم على الإيمان، وفيها يحكي صالح جودت قصة راهب تمرد على حياة العبادة، بل كفر بالله والآخرة وراح يغري الكاهن برأيه، حتى خدعه واستماله، وقبيل أن يتركا الدير إلى الدنيا ومتعها، هبط ملك الموت ليقبض روح الراهب، فلم يكن منه إلا الإسراع إلى التوبة، والاعتراف بالله واليوم الآخر.. يقول صالح جودت من تلك القصيدة على لسان الراهب:

خلني يا كاهن الدير إلى ... نضرة الأيام أجتاز القفار

أنت أفنيت شبابي راحلا ... لم أميز فيه ليلا من نهار

أجلال في صلاتي نحه ... أو وقار؟ ما لمثلى والوقار

أإلى النار إذا عفت التقى ... إنها أهون من طول اصطبار

ثم يمضي الشاعر متحدثًا على لسان الراهب باسطًا أسباب شكه، ومصرحًا بجوانب تمرده، إلى أن يقول على لسانه، حين هبط عليه ملك الموت فتاب وأناب:

يا ملاك الموت ... آمنت بسلطان الإله

أيها الكاهن قدني ... لمحاريب الصلاه


١ انظر: ديوان صالح جودت ص٨٢-٨٦.

<<  <   >  >>