بين كل شعراء هذا الاتجاه، قد كان كذلك يعالج في جو "رومانسي" غالبًا، وبطريقة رمزية أحيانًا، وكان الجو الرومانسي يختلط بحب الشاعر للطبيعة وإيثاره لحياة الريف، ويوشك أن يشيع الرضا عن تلك الحياة، ولا يدعو إلى الثورة عليها بالقدر الواجب، كما كانت الملامح الرمزية تحجب المضمون، وتبتعد بالهدف، وتكاد تفقد الشعر جانبه الاجتماعي الرائع، وكل ذلك كان نتيجة لغلبة الطابع "الرومانسي" على شعراء هذا الاتجاه، وميلهم إلى استخدام بعض الوسائل الرمزية كما سنرى، ثم كانت نتيجة أيضًا لعدم اكتمال الوعي بوظيفة الشعر والأدب عمومًا، وكونه يجب أن يكون هادفًا -قبل كل شيء- إلى تطوير الحياة والارتفاع بها إلى مستوى أفضل.
ومن الموضوعات التي التفت إليها بعض شعراء هذا الاتجاه -بعد كل ما مضى- موضوع التأمل، وهذا التأمل كان يتجه إلى حقائق الكون بلمحة الصوفي حينًا، كما كان يرمقها بعين المتفلسف حينًا آخر، ولكن كل التأملات كان يغلب عليها، الجيشان العاطفي -المتسق مع طبيعة هذا الاتجاه- لا الطابع الذهني الذي كان يطغى على شعر أمثال شكري والعقاد والمازني، ممن سمي اتجاههم -لذلك- "بالاتجاه التجديدي الذهني".
ومن الحقائق التي كان يتأملها بعض شعراء هذا الاتجاه "الابتداعي العاطفي" بجيشان عاطفة: حقائق الله والناس، والخير والشر، والخلود والفناء، والحياة والموت وما إلى ذلك، ومن نماذج هذا الشعر التأملي، قول الصيرفي من قصيدة بعنوان "الحيارى" مناجيًا الله عز وجل، ومعبرًا عن حيرة الإنسان إزاء سره:
قد سبحنا بالفكر عندك يا رب ... فتاهت أرواحنا في سمائك
وشدونا ما قد شدونا ولكن ... ضاع هذا جميعه في فضائك
وعرفنا من الخيال معانيه ... وغابت عنا معاني جلائك
وسمعناك في الضمائر توحي ... ما يهز القلوب من إيحائك
فجهلناه واستمعنا إلى ما ... يملأ الجو من صفير هوائك