علي محمود طه متحدثًا عن شقائه وأرقه وفزعه وحيرته، ومرجعًا كل مآسيه إلى أن الأرض مهد الشر منذ الأزل:
شقي أجنته الدياجي السوادف ... سليب رقاد أرقته المخاوف
ترامى به ليل كأن سواده ... به الأرض غرقى والنجوم كواسف
هي الأرض مهد الشر من قبل خلقنا ... ومن قبل أن دبت عليها الزواحف
غذتها الضحايا بالجسوم فأخصبت ... وأترعها سيل من الدم جارف
ولي قصة يشُجي القلوب حديثها ... ويعجز عن تصويرها اليوم واصف
ألا إنّ لي قلبًا طعينًا تحوطه ... عصائب تنزو من دمي ولفائف١
ويقول الهمشري، متحدثًا عن وحدته وعذابه، وضياع أمله ومرارة يأسه، ويتعلل أخيرًا بخلود الشعر ومجد الفن:
جلست على الصخر الوحيد وحيدا ... وأرسلت طرفي في الفضا شريدا
وكفكفت دمعًا لا يكفكف غربه ... وواسيت قلبًا في الضلوع عميدا
أرى صفحة الآمال قد ضاق أفقها ... ولاح على اليأس البعيد مديدا
لقد عشت في دنيا الخيال معذبا ... فيا ليت شعري هل أموت سعيدا
لقد كنت في الدنيا جمالا يزينها ... بما شاده شعري على هذه الدنيا
خلقت لروحي سحرها لا لغيرها ... ومن أجلها أقضي ومن أجلها أحيا
إذا ذبل النارنج عاش عبيره ... وكان له في الوهم من نفحه محيا
ويخلد بعد البدر في الفكر رونق ... يغذي خيال الشعر والحب والوحيا٢
ويقول ناجي شاكيًا ما يعاني في وحدته من هواتف الذكريات الحزينة، وأشباح الأماني الخائبة:
يا وحدتي جئت كي أنسى وهأنذا ... ما زلت أسمع أصداء وأصواتا
مهما تصاممت عنها فهي هاتفة ... يا أيها الهارب المسكين هيهاتا
١ انظر: "الملاح التائه" لعلي محمود طه ص١٧٦-١٧٩ "قصيدة الطريد".
٢ انظر: الروائع جـ١ ص٢٦-٢٧ "قصيدة تأملات".