للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

أين ناديك وأين السمر ... أين أهلوك بساطًا وندامى

كما أرسلت عيني تنظر ... وثب الدمع إلى عيني، وغاما١

ويقول الهمشري في قريته، وكان قد أمل أن يكون في العودة إليها مهربًا لروحه المعذب، وملاذًا لقلبه الجريح، ولكنه اكتشف أنه انتقل إليها بأعباء نفسه، وعذاب روحه وجراحات قلبه، وبكل ما حملته الدنيا من أوجاع؛ فانعكس كل هذا على جمال القرية فجعلها شائهة، واختلط بصفو الطبيعة فيها فكدرها، وكنت خيبة الأمل، واصطدام الذكريات الحلوة بالواقع المرير:

رجعت إليك اليوم من بعد غربتي ... وفي النفس آلام تفيض ثوائر

أتيت لألقى في ظلالك راحة ... فيهدأ قلبي وهو لهفان حائر

ولكن بلا جدوى أتيت فلم أجد ... سوى قفرة أشباحها تتكاثر

وقد نسجت أيدي الشتاء سياجها ... عليها، وأسوار الظلام تحاصر٢

ومن أبرز الموضوعات والتجارب الشعرية التي اهتم بها شعراء هذا الاتجاه أيضًا، موضوع الشكوى، فهم كثيرًا ما يفضون بأحزانهم ويصورون آلامهم، التي تكون أحيانًا واضحة الاسباب مبررة، وأحيانًا أخرى غامضة غائمة مجهولة المصدر، حتى لنرى الواحد منهم، وكأنه يحزن لمجرد الحزن ويشكو لمجرد الشكوى، أو كأنه يجد في الحزن متعه، أو في الألم لذة، كما يجد في الشكاية تعبيرًا عن متعة الحزن ولذة الألم، ولعل ذلك لاعتقادهم -ككل الرومانتيكيين- أن الألم يطهر النفس والحزن يسمو بالروح، أو لاعتقادهم أن الألم من سمات الحساسين والحزن من صفات الواعين الشاعرين٣ ... يقول


١ انظر: ديوان ناجي ص٣٩، "قصيدة العودة"، وانظر: الشعر المصري بعد شوقي الحلقة الثانية ص٥٩ وما بعدها.
٢ الروائع جـ١ ص٢٨.
٣ انظر: الرومانتيكية للدكتور محمد غنيمي هلال ص٢٦ وما بعدها، والشعر المصري بعد شوقي للدكتور محمد مندور الحلقة الثالثة ص٤.

<<  <   >  >>