- وقد ذهب بعض أهل العلم وهو قول داود والمزني والليث بن سعد وربيعة وذهب إليه بعض المتأخرين وممن اختاره الصنعاني وغيره: أن الخمرة طاهرة وليست بنجسة.
واستدلوا: بالأصل وأن الأصل في الأشياء الطهارة وكون الشيء يحرم لا يعني تنجسه،فإن الشارع قد حرم الأنصاب والأزلام وهي ليست نجسة بالأصل فليس كل محرم نجس، فالأصل في الأشياء الطهارة وهذه منها.
قالوا: وقد ثبت في البخاري عن أنس بن مالك قال: (لما حرم الخمر خرج الناس وأراقوها في الطرقات)(١) .
قالوا: والاستدلال بهذا الحديث من وجهين:
الوجه الأول: إيقاع النجاسات في طرق الناس محرم فلو كانت الخمر نجسة لما جاز أن تراق في طرقات الناس كما تقدم من تحريم التبرز ونحوه في الطريق فهذا محرم وكذلك غيره من النجاسات، فلو كانت الخمر نجسة لما جاز أن تراق في الطرقات.
والوجه الثاني: أنه لابد وأن يصيب الماشي وهو ذاهب إلى الصلاة شيء منها، ومع ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم أن يغسلوا ما تقع عليه الخمرة في أبدانهم، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
لكن في الاستدلال بهذا الدليل من هذين الوجهين نظر:
أما الوجه الأول: وهو قولهم: أن في إراقتها في الطرقات تنجيس لها وهو محرم.
(١) أخرجه البخاري في كتاب المظالم، باب صب الخمر في الطريق (٢٤٦٤) عن أنس رضي الله عنه قال: كنتُ ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخَ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم منادياً يُنادي: ألا إنّ الخمر قد حُرّمتْ قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهْرقْهَا، فخرجتُ فهرقتُها، فجرتْ في سكك المدينة، فقال بعض القوم: قد قتل قوم وهي في بطونهم، فأنزل الله {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} ، وأخرجه مسلم (١٩٨٠) . في كتاب الأشربة، باب تحريم الخمر.. .