أَشَارَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِقَوْلِهِ: جَلَدْتهَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَرَجَمْتهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَقَدْ صَرَّحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ: «وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ، الْجَلْدُ وَالرَّجْمُ» . وَهَذَا الصَّرِيحُ الثَّابِتُ بِيَقِينٍ لَا يُتْرَكُ إلَّا بِمِثْلِهِ، وَالْأَحَادِيثُ الْبَاقِيَةُ لَيْسَتْ صَرِيحَةً، فَإِنَّهُ ذَكَرَ الرَّجْمَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْجَلْدَ، فَلَا يُعَارَضُ بِهِ الصَّرِيحُ، بِدَلِيلِ أَنَّ التَّغْرِيبَ يَجِبُ بِذِكْرِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ بِمَذْكُورٍ فِي الْآيَةِ، وَلِأَنَّهُ زَانٍ فَيُجْلَدُ كَالْبِكْرِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ شُرِعَ فِي حَقِّ الْبِكْرِ عُقُوبَتَانِ؛ الْجَلْدُ وَالتَّغْرِيبُ، فَيُشْرَعُ فِي حَقِّ الْمُحْصَنِ أَيْضًا عُقُوبَتَانِ؛ الْجَلْدُ، وَالرَّجْمُ، فَيَكُونُ الرَّجْمُ مَكَانَ التَّغْرِيبِ. فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، يُبْدَأُ بِالْجَلْدِ أَوَّلًا، ثُمَّ يُرْجَمُ، فَإِنْ وَالَى بَيْنَهُمَا جَازَ، لِأَنَّ إتْلَافَهُ مَقْصُودٌ، فَلَا تَضُرُّ الْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ جَلَدَهُ يَوْمًا وَرَجَمَهُ آخَرَ، جَازَ، فَإِنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَلَدَ شُرَاحَةَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، ثُمَّ رَجَمَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَالَ: جَلَدْتهَا بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَرَجَمْتهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
[الْفَصْلُ الثَّالِثُ عَلَى مِنْ يَجِب الرَّجْمَ]
(٧١٣٦) الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ الرَّجْمَ لَا يَجِبُ إلَّا عَلَى الْمُحْصَنِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ إنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى وَقَدْ أُحْصِنَ. وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ. ذَكَرَ مِنْهَا: أَوْ زِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ.» وَلِلْإِحْصَانِ شُرُوطٌ سَبْعَةٌ؛ أَحَدُهُمَا، الْوَطْءُ فِي الْقُبُلِ، وَلَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الْجَلْدُ وَالرَّجْمُ» . وَالثِّيَابَةُ تَحْصُلُ بِالْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ.
وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ الْخَالِيَ عَنْ الْوَطْءِ، لَا يَحْصُلُ بِهِ إحْصَانٌ؛ سَوَاءٌ حَصَلَتْ فِيهِ خَلْوَةٌ، أَوْ وَطْءٌ دُونَ الْفَرْجِ، أَوْ فِي الدُّبُرِ، أَوْ لَمْ يَحْصُلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا تَصِيرُ بِهِ الْمَرْأَةُ ثَيِّبًا، وَلَا تَخْرُجُ بِهِ عَنْ حَدِّ الْأَبْكَارِ، الَّذِينَ حَدُّهُمْ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، بِمُقْتَضَى الْخَبَرِ. وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَطْئًا حَصَلَ بِهِ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَدُّ الْوَطْءِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامُ الْوَطْءِ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي نِكَاحٍ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يُسَمَّى إحْصَانًا؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: ٢٤] . يَعْنِي الْمُتَزَوِّجَاتِ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي أَنَّ الزِّنَى، وَوَطْءَ الشُّبْهَةِ، لَا يَصِيرُ بِهِ الْوَاطِئُ مُحْصَنًا. وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ التَّسَرِّيَ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِحْصَانُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِكَوْنِهِ لَيْسَ بِنِكَاحٍ، وَلَا تَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُهُ. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ صَحِيحًا. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ عَطَاءٌ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: يَحْصُلُ الْإِحْصَانُ بِالْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.