سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ بِهِ، فَيَقُولُ: لَا يَعُودُ. فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ لَقَّنُوهُ. وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ، وَغَيْرُهُ: يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ سَاءَ حِفْظُهُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَخَلَّطَ. ثُمَّ لَوْ صَحَّا كَانَ التَّرْجِيحُ لِأَحَادِيثِنَا أَوْلَى لِخَمْسَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا أَصَحُّ إسْنَادًا، وَأَعْدَلُ رُوَاةً، فَالْحَقُّ إلَى قَوْلِهِمْ أَقْرَبُ. الثَّانِي: أَنَّهَا أَكْثَرُ رُوَاةً، فَظَنُّ الصِّدْقِ فِي قَوْلِهِمْ أَقْوَى، وَالْغَلَطِ مِنْهُمْ أَبْعَدُ. الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ مُثْبِتُونَ، وَالْمُثْبِتُ يُخْبِرُ عَنْ شَيْءٍ شَاهَدَهُ وَرَوَاهُ. فَقَوْلُهُ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ لِزِيَادَةِ عِلْمِهِ. وَالنَّافِي لَمْ يَرَ شَيْئًا، فَلَا يُؤْخَذُ بِقَوْلِهِ، وَلِذَلِكَ قَدَّمْنَا قَوْلَ الْجَارِحِ عَلَى الْمُعَدِّلِ. الرَّابِعُ: أَنَّهُمْ فَصَّلُوا فِي رِوَايَتِهِمْ، وَنَصُّوا عَلَى الرَّفْعِ فِي الْحَالَتَيْنِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِمَا،، وَالْمُخَالِفُ لَهُمْ عَمَّمَ بِرِوَايَتِهِ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ وَغَيْرَهُ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُ أَحَادِيثِنَا لِنَصِّهَا وَخُصُوصِهَا، عَلَى أَحَادِيثِهِمْ الْعَامَّةِ، الَّتِي لَا نَصَّ فِيهَا كَمَا يُقَدَّمُ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ، وَالنَّصُّ عَلَى الظَّاهِرِ الْمُحْتَمَلِ. الْخَامِسُ: أَنَّ أَحَادِيثَنَا عَمِلَ بِهَا السَّلَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى قُوَّتِهَا. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ إمَامٌ. قُلْنَا: لَا نُنْكِرُ فَضْلَهُ، لَكِنْ بِحَيْثُ يُقَدَّمُ عَلَى أَمِيرَيْ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَسَائِرِ مَنْ مَعَهُمْ، كَلًّا، وَلَا يُسَاوِي وَاحِدًا مِنْهُمْ، فَكَيْفَ يُرَجَّحُ عَلَى جَمِيعِهِمْ؟ مَعَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَدْ تُرِكَ قَوْلُهُ فِي الصَّلَاةِ فِي أَشْيَاءَ، مِنْهَا أَنَّهُ كَانَ يُطَبِّقُ فِي الرُّكُوعِ، يَضَعُ يَدَيْهِ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ، فَلَمْ يُؤْخَذْ بِفِعْلِهِ، وَأُخِذَ بِرِوَايَةِ غَيْرِهِ فِي وَضْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ، وَتُرِكَتْ قِرَاءَتُهُ وَأُخِذَ بِقِرَاءَةِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَكَانَ لَا يَرَى التَّيَمُّمَ لِلْجُنُبِ، فَتُرِكَ ذَلِكَ بِرِوَايَةِ مَنْ هُوَ أَقَلُّ مِنْ رُوَاةِ أَحَادِيثِنَا وَأَدْنَى مِنْهُمْ فَضْلًا، فَهَاهُنَا أَوْلَى.
[مَسْأَلَة يُسْتَحَبُّ لِلرَّاكِعِ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ]
(٦٩١) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (ثُمَّ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَيُفَرِّجُ أَصَابِعَهُ، وَيَمُدُّ ظَهْرَهُ، وَلَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، وَلَا يَخْفِضُهُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلرَّاكِعِ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفَعَلَهُ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَسَعْدٌ، وَابْنُ عُمَرَ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ.
وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ السَّلَفِ إلَى التَّطْبِيقِ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ الْمُصَلِّي إحْدَى كَفَّيْهِ عَلَى الْأُخْرَى، ثُمَّ يَجْعَلَهُمَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ إذَا رَكَعَ. وَهَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نُسِخَ. قَالَ مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ: «رَكَعْت، فَجَعَلْت يَدَيَّ بَيْنَ رُكْبَتَيَّ. فَنَهَانِي أَبِي، وَقَالَ: إنَّا كُنَّا نَفْعَلُ هَذَا فَنُهِينَا عَنْهُ، وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِيَنَا عَلَى الرُّكَبِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَذَكَرَ أَبُو حُمَيْدٍ، فِي صِفَةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رَأَيْتُهُ إذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ. يَعْنِي عَصَرَهُ حَتَّى يَعْتَدِلَ، وَلَا يَبْقَى مُحْدَوْدِبًا، وَفِي لَفْظٍ:
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.