[مَسْأَلَةٌ خَالَعَتْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ صَدَاقهَا]
(٥٧٥٠) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ خَالَعَتْهُ لِغَيْرِ مَا ذَكَرْنَا، كَرِهَ لَهَا ذَلِكَ، وَوَقَعَ الْخُلْعُ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ " بِغَيْرِ مَا ذَكَرْنَا " بِالْبَاءِ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِأَكْثَرَ مِنْ صَدَاقِهَا. وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ إذَا خَالَعَتْهُ لِغَيْرِ بُغْضٍ، وَخَشْيَةً مِنْ أَنْ لَا تُقِيمَ حُدُودَ اللَّهِ، لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْأَوَّلَ لَقَالَ: كَرِهَ لَهُ. فَلَمَّا قَالَ: كَرِهَ لَهَا.
دَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مُخَالَعَتَهَا لَهُ، وَالْحَالُ عَامِرَةٌ، وَالْأَخْلَاقُ مُلْتَئِمَةٌ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهَا ذَلِكَ، فَإِنْ فَعَلَتْ صَحَّ الْخُلْعُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَيَحْتَمِلُ كَلَامُ أَحْمَدَ تَحْرِيمَهُ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: الْخُلْعُ مِثْلُ حَدِيثِ سَهْلَةَ، تَكْرَهُ الرَّجُلَ فَتُعْطِيهِ الْمَهْرَ، فَهَذَا الْخُلْعُ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْخُلْعُ صَحِيحًا إلَّا فِي هَذِهِ الْحَالِ.
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ وَدَاوُد وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَرُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ: {وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} [البقرة: ٢٢٩] وَهَذَا صَرِيحٌ فِي التَّحْرِيمِ إذَا لَمْ يَخَافَا إلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: ٢٢٩] فَدَلَّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ الْجُنَاحَ لَاحِقٌ بِهِمَا إذَا افْتَدَتْ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ، ثُمَّ غَلَّظَ بِالْوَعِيدِ فَقَالَ: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: ٢٢٩] وَرَوِيَ ثَوْبَانِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ، مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةُ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْمُخْتَلِعَاتُ وَالْمُنْتَزِعَاتُ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ» رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، فِي " الْمُسْنَدِ "، وَذَكَرَهُ مُحْتَجًّا بِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْمُخَالَعَةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَلِأَنَّهُ إضْرَارٌ بِهَا وَبِزَوْجِهَا، وَإِزَالَةٌ لِمَصَالِحِ النِّكَاحِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، فَحُرِّمَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» . وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَهُ بِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: ٤]
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.