للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

سابعًا: في الربا من الخطورة والتحريم ما لو كان قائمًا في هذه المسألة ما ترك بيانها، والله سبحانه وتعالى يقول: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: ١١٩] ، والفلوس كانت موجودة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.

أما الفريق الآخر فيعتضد بما يلي:

أولاً: الشريعة جاءت لمصالح العباد ويستحيل أن تحرم شيئًا لمفسدة، وتترك شيئًا فيه نفس المفسدة، فنظير الحرام حرام. (ابن القيم) .

ثانيًا: التعليل أولى؛ لأنه أكثر فائدة وترك التعليل خشية، وما في ترجيح العلة القاصرة من الأمن ولا وقع له، فإنه راجح إلى استشعار خيفة لا إلى تغليب ظن وتلويح ملتقى من مسالك الاجتهاد. (إمام الحرمين) .

ثالثًا: إعمال التعليل في أربعة من الستة وتركه في اثنين تحكم، أي ترجيح بلا مرجح.

رابعًا: أن الغلبة الثمنية أصبحت واقعًا للنقود الورقية، فالاعتراف لها بأحكام النقدين إنما هو من تحقيق المناط، وليس إحداثًا لاجتهاد جديد، إلا بقدر ما يقتضيه تحقيق المناط؛ لأن الحكم كان موجود معلقًا، وقد تحقق شرطه في جزئية، فيجب إثبات الحكم.

خامسًا: إن عدم إجراء الربا فيها تعطيل لحكم يتعلق بمسألة خطيرة من مسائل المعاملات.

هذه والله سبحانه وتعالى أعلم هي بواعث الطرفين، ذكرتها كما هي، وذكرت أقوالهم كما هي، أمانة لا تبرأ من أمانة نقلي، حتى أكون أمينًا فيما نقلته عن الطرفين. وبعد هذا رأيي وهو رأي توقف في الحقيقة، أنا متوقف، رأيي هو التوقف.

وبعد فإن تصفح كلام العلماء لا شك يساعد على تكوين رأي، وإعطاء صورة مميزة لأي موضوع، ذلك هو الهدف وراء مراجعة كلام الأقدمين والمتأخرين، ومقارنة أقوال المحلين والمحرمين. إلا أن النتيجة الأولى التي يمكن أن يخرج بها المرء بعد أن طالع أقوال الفقهاء هي ملاحظة الاضطراب الواضح عند أكثرهم في هذه المسألة. فلا يكاد أحدهم يبرم رأيا إلا كر عليه بالنقض، ولا يبسط وجها إلا عاد بالقبض. وهكذا دواليك حتى يقول القارئ: حنانيك بعض القول أهون من بعض. والفلوس إلا تكن عينا فإنها ليست غير عرض ((ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه)) ، والشبهة بدون شك قائمة؛ إذ حدها ما تجاذبته الأدلة، أو أشبه أصلين دون قياس علة مستقل. وهنا تجاذب هذه القضية العفو، وهو أصل يرجع إليه عند سكوت الشارع، وعدم ثبوت سبب أو قيام مانع لحديث: " وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن ينسى شيئًا "، ثم تلا هذه الآية:

<<  <  ج: ص:  >  >>