فتلخص مما مر قيام مذهبين أو موقفين من النقود الورقية:
أولهما: موقف من يقول بعدم ربوية النقود أو على الأصح يذهب إلى عدمها؛ لأنه لا نص من الأقدمين في النقود الورقية، ولكنها مشمولة بالعموم وبالنص على المثيل، وهذا الموقف هو رأي أكثر العلماء كما أسلفنا. ويمكن إرجاع بواعثهم حسب رأينا إذا قرأنا كلامهم قراءه متأنية إلى ما يلي:
أولاً: أن تحريم الربا أمر تعبدي لا تظهر له علة واضحة معقولة، فهو من قبيل الابتلاء والاختيار، وما كان من هذا القبيل يقتصر على محل الورود، والقرآن يشهد؛ لأن بعض التكاليف تأتي للابتلاء، كما في قوله سبحانه وتعالى:{وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}[الأعراف: ١٦٣] فالتكاليف اختلف العلماء هي للامتثال أو الابتلاء. هذا معروف لديكم من كلام الأصولين. الباعث الأول هو الابتلاء.
ثانيًا: إن الذهب والفضة لهما مزايا وخصائص لا توجد في غيرهما، فهما معدنان نفيسان قابلان للكنز واختزان الثروة ويبقيان على الزمن، هذا من ناحية الخلقة.
أما من ناحية الشرعية فيحرم اقتناء آنيتهما، ولا يجوز التحلي بهما للرجال غير ما استثنى الشارع، فهما أثمان بالخلقة، وهما أصل الثمنية، وهما النقدان الشرعيان.
ثالثًا: صعوبة إبراز علة مقنعة سالمة من القوادح مطردة منعكسة. وقد قدمنا قول إمام الحرمين أنه لا شبهة فيها ولا إخالة.
رابعًا: نوع من الخوف من التجاوز والافتيات على النصوص. نجد مثالاً له في ترجيح العلة القاصرة على المتعدية على رأي الأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني إذا صح التعليل بهما. ومن رجح العلة القاصرة احتج بأنها متأيدة بالنص، وصاحبها آمن من الزلل في حكم العلة فكان، التمسك بها أولى. (البرهان إمام الحرمين)
خامسًا: أن ثمنية غير النقدين ثمنية مستعارة ومعرضة للزوال في أي لحظة، ومن شأن هذا أن يجعل الثمنية فيهما صفة عارضة.
سادسًا: إن التحريم تكليف، والتكليف يحتاج إلى ورود النص كحديث ((الطعام بالطعام)) الذي جعل الشافعي رحمه الله يرجح علة الطعمية، ويسهل ذلك على أصحابه المترددين – هنا إمام الحرمين يتردد كثيرًا في وجود العلة وقد قبلها بسبب هذا الحديث – مترددين في قبول تعديها؛ ولأن جهة التحريم محصورة، وجهة الإباحة لا حصر لها، فالواقعة إذا ترددت بين الطرفين ووجدت في شق الحصر فذلك، وإلا حكم فيها بحكم الآخر الذي أعفي من الحصر (إمام الحرمين أيضًا) .