ثانيًا: إن النقدية الشرعية كما سماها إمام الحرمين تعني فيما يبدو كون النقدين أثمانا بالخلقة، حيث تعتبر ثمنية غيرها ثمنية عارضة. ونرى أن علماء الفروع بنى كثير منهم على هذه النظرية، وذكرت كلامهم في النقدين.
أما وجهة النظر الأخرى القائلة بالثمنية المتعدية، وجهة النظر الأخرى الفريق الآخر الذي يقول بالربوية، فهو الفريق الذي يقول بالثمنية المتعدية. وقد عبر عنها الغلبية الثمنية أي غلبة الاستعمال في التبادل أو مطلق الثمنية، ويمثلها المالكية لأن مالكًا ... وذكرت كلام مالك في ذلك، وهو كلام معروف عندكم، وذكرت أقوال المالكية.
وقد بينت هنا طريقًا خاصًا وهو أن هذه المسألة مبنية على القاعدة المعروفة عند المالكية بقاعدة البينة. وهي إيجاد حكم بين حكمين، أو إيجاد حكم يستند إلى دليلين، قاعدة البينة إذا وجد دليلان راجحان يشبه حكم كل واحد منهما، ولم يتمحض شبهه لواحد منهما، فإن المالكية يبنون على ذلك قاعدة يسمونها بقاعدة البينية ذكرها الزقاق فقال:
وبيع ذمي وعتق هل ورد
الحكم بين بين كونه اعتقد
كالبيع مع شرط يصح وبطل
وحكم زنديق وشبهه نقل
وذكرت كلام المنجور في شرحه للزقاق في مخطوطة لأحد تلاميذه التي هي عندي. وبنوها أيضًا على قاعدة حكم النادر: هل النادر يعتبر حكمه في نفسه أو يعتبر له حكم الغالب؟
وهل لم ندر حكم ما غلب
وحكم نفس كالفلوس والرطب
وكسلحفاة وقت ندرًا
كذا مخالط وعكس ذكرًا
ذكرت هنا كلام المنجور وهو كلام غير معروف لأنه مازال مخطوطًا عندما ذكر أن اللخمي يقول: هذا شرح غير معلل، وأن بعض العلماء "ابن بشير " ادعى الإجماع على التعليل، وأشهب قال: إن القائسين مجموعون على التعليل، ثم ذكر قول أبي بكر بن العربي رحمه الله تعالى أن العلة قاصرة في هذا الموضوع لا يعرف موضع توجد فيه العلة قاصرة في الأصول إلا في هذا الموضع بالذات.
ثم بعد ذلك تعرضنا لكلام ميارة الذي أوجز فيه أقوال علماء المالكية الثمنية قبل الغلبة، وهو معروف عندكم. في النهاية أشرت إلى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وكلام أبي بكر بن العربي. كلام أبي بكر بن العربي الذي اعتبر أقوى كلام على الإطلاق عند المالكية. كلام أبي بكر ابن العربي يقول: إن الناس لو تعاملوا بالجلود، وذكر كلام مالك ثم قال: إنه رأى الناس يتعاملون في بغداد بالخبز، وجعل التعامل بالخبز كافيا لجعله ثمنا للأشياء، وهو من أقوى كلام ذكره علماء المالكية وقال: إن مالكا اعتبر المعنى، وأن هذا المعنى لم يتفطن له غير مالك، وتبعه جماعة من المالكية.
فالمسألة يمكن أن تعامل بتحقيق المناط، وقد ذكرت تعريف القرافي لتحقيق المناط، بمعنى أن الثمنية لم تكن موجودة في ذلك الوقت ولم تكن غالبة، وحينما وجدت أو غلبت فيحقق المناط، ويقال بأنها أصبحت ربوية؛ لأن الثمنية أصبحت غالبة. وغلبة الثمنية عند المالكية ليست كغلبة الثمنية عند الشافعية، غلبة الثمنية عند الشافعية تعني أنها أصل الأثمان، كما عبر به المنجور قائلاً عن الشافعي: إنها أصل الإثمان، أصل الإثمان هو الذهب والفضة أو أنها ثمنية من نوع خاص؛ لأنها النقود الشرعية كما قال إمام الحرمين. هنا عبارات يجب التنبيه إليها في كلام الشافعية عند هذه القضية. في النهاية ذكرت بواعث الطرفين، وهذا فقد ساقه هذا.