ونصنف في نفس الاتجاه من يعلل علة لا تتناول النقود الورقية، كالوزن عند أبي حنيفة وأحمد في أحد قوليه، ولا داعي لنقل كلام هؤلاء لوضوح كلامهم واشتهاره. كما نصف في نفس الاتجاه أيضًا من يعلل بالثمنية أو الثمنية الغالبية، وهو يصرح بأن هذه العلة قاصرة وليست صالحة للتعدية إلى غير محلها.
وهؤلاء يجدر بنا أن نتعرض لبعض أقوالهم وآرائهم؛ نظرًا للالتباس الذي يوحي به التعليل بالثمنية. ونقف وقفة قبل أن نسترسل معهم لنشير إلى أني ذكرت هنا كلامًا لأبي بكر الباقلاني وهو قوله: أما الاستدلال فقسم لا يشهد له أصل من الأصول الثلاثية، وهو كلام في موضوع آخر، إلا أنه له علاقة حميمة بهذا الموضوع يقول:
وإذا لم يكن يشترط استناد الأمور إلى الأصول لم ينضبط الشرع، واتسع الأمر، ورجع الشرع إلى اتباع وجوه الرأي واقتضاء حكمة الحكماء، فيصير ذوو الأحلام بمنزلة الأنبياء، إلى أن قال: ثم يختلف ذلك باختلاف الزمان والمكان وأصناف الخلق، وهو في الحقيقة خروج عما درج عليه الأولون. ولعل الشافعية يفكرون مثل تفكير القاضي أبي بكر الباقلاني وإن كان إمام الحرمين قد اعترض عليه في موضوع لا يتعلق بهذا الموضوع، فنجد أن إمام الحرمين ناقش هذه المسألة بالعلة القاصرة، ورددها مرارا فقال: إذا استنبط القائس علة في محل النص وكانت مقتصرة عليه منحصرة فيه لا تتعداه، فالعلة صحيحة عند الإمام الشافعي رضي الله عنه.
ونفرض المسألة في تعليل الشافعي: تحريم ربا الفضل في النقدين بالنقدية، وهي خاصة بالنقدين لا تتعداهما، وقد أطال النفس، وناقش نفاة العلة القاصرة كالأحناف في هذه المسألة، وعرج على مسألة الفلوس أكثر من مرة قائلاً: ولقد اضطرب أرباب الأصول عند هذا المنتهى، ونحن نذكر المختار من طرقهم.. إلى آخر ما ذكره إمام الحرمين، وما ذكره السبكي في ذلك، وما ذكره النووي من اعتبارهما العلة قاصرة على النقدين.
وتعرضت هنا للعلة القاصرة وعرفتها بما ذكره الآمدي وماذكره السبكي وما ذكره سيدي عبد الله في نشرالبنود، وما ذكره أبو حامد الغزالي حول العلة القاصرة، وبينت هنا ما هي هذه الثمنية. منحاهم صعب هم يقولون بالثمنية ويقولون: هي قاصرة، ونلاحظ حرصهم على التمثيل للعلة القاصرة بالنقدية أو الثمنية أو غلبة الثمنية أو كونها قيمة للأشياء، كل هذا يدل على أن المعللين بالثمنية أو غلبتها ويقولون بقصور العلة، يرون أنها ثمنية من نوع خاص. وهذا كقول البهوتي الحنبلي في زكاة الذهب والفضة في كتابه كشاف القناع: وهما الأثمان.