وهذا المبدأ يمكن تأصيله على أساس مسألة فقهية ذكرها فقهاء الحنفية، وهي مسألة التعامل دون تحديد عملة معينة مع وجود عملات مختلفة القيمة بالاسم نفسه، كالدينار مثلا، فهذه المسألة صالحة للاستئناس بها في تحقيق هذا المبدأ، ووجه التشبيه " أن تغير قيمة العملة يؤدي إلى وجود عملتين (حكما) بقيمة مختلفة. ويحدث من هذا ضرر بأحد الطرفين، يشبه الضرر الناشئ من اختيار أحدهما الوفاء بإحدى العملتين في حال اتحاد الاسم دون القيمة، قال ابن عابدين في آخر رسالته (تنبيه الرقود)(١) :
" أما الثانى (إذ لم يعين المتبايعان نوعًا، والخيار فيه للدافع حسبما استقر عليه الحال) فقد حصل بسببه ضرر ظاهر للبائعين، فإن ما ورد الأمر برخصه متفاوت، فبعض الأنواع جعله أرخص من بعضه، فيختار المشتري ما هو أكثر رخصًا وأضر للبائع فيدفعه له. . وقد كنت تكلمت مع شيخي الذي هو أعلم أهل زمانه وأفقههم وأورعهم (يقصد: الشيخ سعيد الحلبي) فجزم بعدم تخيير المشتري في مثل هذا؛ لما علمت من الضرر، وأنه يفتي بالصلح حيث كان المتعاقدان مطلقي التصرف يصح اصطلاحهما، بحيث لا يكون الضرر على شخص واحد. . ولاسيما إذا كان المال مال أيتام أو وقف، فعدم النظر له بالكلية مخالف لما أمر به اختيار الأنفع له، فالصلح حينئذ أحوط، خصوصًا والمسألة غير منصوص عليها بخصوصها، فإن المنصوص عليه إنما هو الفلوس والدراهم الغالبة الغش، فينبغي أن ينظر في تلك النقود التي رخصت ويدفع من أوسطها نقصًا، لا الأقل ولا الأكثر؛ كيلا يتناهى الضرر على البائع أو على المشتري، وإنما اخترنا الصلح لتفاوت رخصها وقصد الأضرار كما قلنا، وفي الحديث ((لا ضرر ولا ضرار)) . فإن ألزمنا بالبائع بأخذ ما يساوي التسعين بمائة فقد اختص الضرر به، وإن ألزمنا المشتري بدفعه بتسعين اختص الضرر به، فينبغي وقوع الصلح على الأوسط " (٢) .
(١) تنبيه الرقود ضمن رسائل أبن عابدين: ٢ / ٦٦ – ٦٧. (٢) د. عبد الستار أبو غدة في بحثه المقدم.