وما يقال عن البصمة يمكن أن ينصرف إلى التحليلات المعملية التي بنيت نتائجها على أسس علمية صحيحة. فلا غبار على حكم القاضي إن هو استعان في إثبات التهمة بنتائج تحاليل الدم أو البول أو المني أو غير ذلك ولعل لهذا التعويل أصل في الفقه الإسلامي. فإنه زيادة على ما ذكره الفقهاء من الأخذ بشهادة أهل الخبرة والعمل بالقافة (١) فقد أورد ابن القيم الجوزية آثار تدل على أن الصحابة رضوان الله عليهم قد عولوا على اعتبار التحليل المعملي في دعاوى الجنايات وإن لم يسموه تحليلا فوجهة النظر واحدة.
جاء في الطرق الحكمية:(قال جعفر بن محمد: أتي عمر بن الخطاب رضي الله عنه بامرأة قد تعلقت بشاب من الأنصار، فلما لم يساعدها احتالت عليه فأخذت بيضة فألقت صفارها وصبت بياضها على ثوبها وبين فخذيها، ثم جاءت إلى عمر صارخة فقالت: هذا الرجل غلبني على نفسي وفضحني في أهلي وهذا أثر فعاله، فسأل عمر النساء فقلن له: إن ببدنها وثوبها أثر المني، فهم بعقوبة الشاب فجعل يستغيث ويقول: يا أمير المؤمنين تثبت في أمري فوالله ما أتيت فاحشة وما هممت بها، فلقد روادتني عن نفسي فاعتصمت، فقال عمر: يا أبا الحسن ما ترى في أمرهما؟ فنظر علي إلى ما على الثوب ثم دعا بماء حار شديد الغليان فصب على الثوب فجمد ذلك البياض ثم أخذه واشتمه وذاقه، فعرف طعم البيض وزجر المرأة فاعترفت) .
قلت: ويشبه هذا قول الخرقي وغيره عن أحمد أن المرأة إذا ادعت أن زوجها عنين وأنكر ذلك وهي ثيب فإنه يخلى معها في بيت ويقال له: أخرج ماءك على شيء فإن ادعت أنه ليس بمني جعل على النار، فإن ذاب فهو مني وبطل قولها، وهذا مذهب عطاء بن رباح، وهذا حكم بالأمارات الظاهرة فإن المني إذا جعل على النار ذاب واضمحل، وإن كان بياض بيض تجمع ويبس (٢) .
ويقول ابن القيم في موضع آخر: (ورفع إلى بعض القضاة رجل ضرب رجلا على هامته فادعى المضروب أنه أزال بصره وشمه، فقال يمتحن، بأن يرفع عينيه إلى قرص الشمس فإن كان صحيحا لم تثبت عيناه لها وينحدر منها الدمع، وتحرق خرقة، وتقدم إلى أنفه فإن كان صحيح الشم: بلغت الرائحة خيشومه ودمعت عيناه.
(١) والقافة جمع قائف، وهو من يعرف النسب بالشبه وأصل العمل بها ما ورد في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم سر من القائف حينما رأى أسامة وزيدا وقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض، وكان المشركون يشككون في نسب أسامة من زيد. صحيح البخاري كتاب الفرائض: (٣/١٣٩) ؛ وصحيح مسلم: (١/٤٢) . (٢) الطرق الحكمية، ص٥٥.