وقد ذكرنا اتفاق القانون الإنجليزي مع ما ذهب إليه الإمام مالك أما القانون المصري فإن القاعدة العامة أنه لا بد من إثبات القصد الجنائي فلا يعد وقوع النشاط الإجرامي قرينة على وجود القصد بل يجب على المحكمة أن تتحقق من توفر القصد الجنائي ولكنه يتفق مع ما ذهب إليه الإمام مالك من عدم اشتراط الوسيلة المستخدمة في القتل كقرينة على وجود القصد الجنائي، فلا يهم أن تكون الأداة المستخدمة في القتل قاتلة أم غير قاتلة مادامت المحكمة قد تحققت من وجود نية القتل عند الجاني.
٣- يفترض العلم بأحكام الشريعة ولا يقبل الاعتذار بالجهل بها ولا يعد الجهل عذرا مسوغا لمخالفتها مادام الشخص مقيما في دار الإسلام، وإقامة الشخص في دار الإسلام يعد قرينة على علمه بالأحكام الشرعية ولهذا لا يقبل قول الحربي إذا أسلم في دار الإسلام وارتكب ما يوجب الحد وادعى الجهل، غير أنهم استثنوا من هذه القاعدة استثناءات يعذر فيها من يجهل الأحكام وهي:
أولا: إذا كان إمكان العلم راجعا إلى طبيعة الحكم نفسه كأن يكون من الفروع التي لا يعرفها إلا الخاصة.
ثانيا: إذا كان عدم إمكان العلم راجعا إلى البيئة التي يعيش فيها كأن كمن عاش في شاهق أو بين قوم جهال مثله (١) .
القرائن الإقناعية:
وهذه لا تقع تحت حصر لأنها تختلف من دعوى لأخرى، وقد وردت لها أمثلة كثيرة في كل من الفقه الإسلامي والقانون، نذكر من ذلك:
١- قرينة تعدد السوابق بالنسبة للمتهم جعلها القانون قرينة تكميلية لا جناح على القاضي إن هو عدها في إثبات التهمة على المتهم، وفي الفقه الإسلامي إذا كان المتهم من أرباب السوابق يحبس ويمتحنه القاضي بالضرب ليتوصل منه القاضي إلى إقرار بالحق أو الجناية لينبني الحكم على الاعتراف وكانت القرائن تدل على أنه ارتكب الجريمة قضى عليه القاضي بموجب القرائن الدالة على جريمته، ويعاقبه القاضي بما يناسب الجريمة.
٢- قرينة ظهور الثراء عند الموظف العام أو الثراء المفاجئ ودلالتها على اختلاسه للمال أو الكسب غير المشروع، وقد تقدم أن الخليفة الفذ عمر بن الخطاب أول من سبق إلى إصدار مثل هذا القانون ورأينا كيف حاسب عماله وولاته عليه وصادر من أموالهم تقريرا لهذا المبدأ.
٣- قرينة وجود المال المسروق عند المتهم أو رؤيته وهو يسير مع السراق ودلالة ذلك على مساهمته في السرقة. وقد نص على ذلك الفقهاء أيضا لا سيما ابن قيم الجوزية وصاحب عدة أرباب الفتوى وابن فرحون وغيرهم واتفقوا على عقوبته لدلالة القرينة عليه بل وإن ابن القيم قال لابد أن يقيم عليه الحد.
أما القرائن التي استحدثتها الأساليب العلمية الحديثة لكشف الجريمة فهذا ما نحاول الآن إبراز وجهة نظر الفقه الإسلامي فيه.
(١) انظر أصول البردوي وكشف الأسرار: (٤/٣٤٥) ؛ الدر المختار وحاشية ابن عابدين: (٣/١٩٦) ؛ القواعد لابن رجب، ص٣٧١.