ولئن قيل: ما هو الفقه في تحريم ما مات حتف أنفه؟ وهو المتبادر من لفظ الميتة عند الإطلاق، وما هو في معناه كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، وما أكل السبع منها إذا لم تذك، أي يجهز عليها بقصد الأكل.
- وما هو الفرق بين الصيد يأتي به الكلب المعلم ميتا فيكون حلالا، وبين ما أكل السبع منه فمات ولم تدرك ذكاته؟
وما ضرب الإنسان بعصا أو حجر فمات كذلك ولم يذك القصد؟
وما الحكمة في جعل القصد محللا؟
الجواب عن ذلك: فيما يظهر لنا بعد اعتبار تعظيم شأن القصد في الأمور كلها ليكون الإنسان معتمدا على كسبه وسعيه، وهو الحكمة الأولى في ذلك، وهو أن الميت حتف نفسه يغلب أن يكون قد مات في مرض أو أكل نبات سام، وبذلك يكون لحمه ضارا كلحم الخنزير، فإن هذا قد حرم لضرره فهذه حكمة ثانية.
والحكمة الثالثة:- غير اعتبار القصد وخوف الضرر- وهي أن الطباع السليمة تستقذر الميت حتف أنفه ولا تعده من الطيبات، والدين يربي الإنسان على شرف النفس، ولذلك أحل له الطيبات، وحرم عليه الخبائث. وأما ما هو في معنى الميتة حتف أنفها من المنخنقة والموقوذة فيظهر في علة تحريمه كل ما ذكر إلا حكمة توقع الضرر في الجسم، فيظهر فيه بدلها تنفير الناس عن تعريض البهيمة إلى الموت بإحدى هذه الميتات القبيحة في حال من الأحوال، وأن يعرفوا أن الشرع يأمر بالمحافظة على حياة الحيوان، وينهى عن تعذيبه، أو تعريضه للتعذيب، ويعاقب من تهاون في ذلك بتحريم أكل الحيوان عليه، إذا تهاون في حفظ حياته.