للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

وجه الاستدلال من الحديث: أنه صلى الله عليه وسلم علل للحرمة بأنه لم يسم على أكل غيره، فهو دليل الحرمة إذا لم يسم على نفسه، وشيء من المعنى يشهد له، فإن ذبيحة الكتابي تحل، وذبيحة المجوس لا تحل، وليس بينهما فرق يعقل معناه بالرأي، سوى من يدعي التوحيد يصح منه تسمية الله على الخلوص، ومن يدعي الاثنين لا يصح منه تسمية الله على الخلوص فيه يتبين أن التسمية من شرائط الحل.

أو إنما أمرنا ببناء الحكم في حق أهل الكتاب على ما يظهرون دون ما يضمرون، ألا ترى أن تسمية غير الله تعالى على سبيل التعظيم موجبة للحرمة كقوله تعالى: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ} [المائدة: ٣] ، فلو اعتبرنا ما يضمرون لم تحل ذبيحتهم,

وكذلك يستحلفون في المظالم بالله، والاستحلاف بغير الله لا يحل، فعرفنا أنه ينبني على ما يظهرون.

ثم إنا أمرنا بالتسمية عند الذبح مخالفة للمشركين؛ لأنهم كانوا يسمون آلهتهم عند الذبح، ومخالفتهم واجبة علينا, فالتسمية عند الذبح تكون واجبة أيضا، بخلاف الطبخ والأكل، فإنهم ما كانوا يسمون آلهتهم عند ذلك، فالأمر بالتسمية عند ذلك ندب.

وكذلك عند الوصف، فالأمر بالتسمية عند الوصف لم يكن لمخالفتهم فكان ندبا.

ألا ترى أن في حالة النسيان تقام ملته مقام التسمية؟

قاله ابن عباس، رضي الله عنهما، لمعنى التخفيف، وهذا التخفيف يستحقه الناسي دون العامد، ولأن العامد مُعْرِضٌ عن التسمية فلا يجوز أن يجعل مسميا حكما بخلاف الناسي فإنه غير معرض بل معذور.

والفرق بين المعذور وغير المعذور أصل في الشرع في الذبح,

ألا ترى أن اعتبار الذبح في المذبح يفصل بين المعذور وغيره؟

وفي الأكل في الصوم يفصل بين الناسي والعامد؟ ولا يعتبر بالمأمور والمزجور, فالأكل في الصلاة مزجور.

ثم سوى فيه بين النسيان والعمد , والجماع في الإحرام كذلك, ولكن ما اقترن بحالة ما يذكره كهيئة المحرمين والمصلين لا يعذر بالنسيان.

وهنا في الذبح لم تقترن بحالة ما يذكره ... وقد يذبح الإنسان الطير وقلبه منشغل بشغل آخر , فيترك التسمية ناسيا، وعليه يحمل الحديث على أنه ذبح على اسم الله تعالى إذا كان ناسيا غير معرض, بدليل أنه ذكر في بعض الروايات ((وإن تعمد لم يحل)) ، وحديث عائشة رضي الله عنها ((إن الأعراب يأتوننا بلحم ... )) دليلنا؛ لأنها سألت عن الأكل عند وقع الشك في التسمية , فذلك دليله على أنه كان معروفا عندهم أن التسمية من شرائط الحل، وإنما أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأكل بناء على الظاهر أن المسلم لا يدع التسمية عمدا؛ لمن اشترى لحما من سوق المسلمين يباح له التناول بناء على الظاهر، وإن كان يتوهم أنه ذبيحة مجوسي (١) .


(١) السرخسي- المبسوط: ١٢/ ٢٣٨

<<  <  ج: ص:  >  >>