واستنبط بعض الفقهاء في هذا المقام مسألة جعلوها محل النظر والاجتهاد، وهي: هل العبرة في حل طعام أهل الكتاب والتزوج منهم بمن كانوا يدينون بالكتاب (كالتوراة والإنجيل) كيفما كان كتابهم وكانت أحوالهم وأنسابهم، أو العبرة بإتباع الكتاب قبل التحريف والتبديل وبأهله الأصليين كالإسرائيليين من اليهود؟
يقول السيد رشيد رضا:"المتبادر من نص القران الكريم ومن السنة وعمل الصحابة أنه لا وجه لهذه المسألة ولا محل، فالله تعالى قد أحل أكل طعام أهل الكتاب ونكاح نسائهم على الحال التي كانوا عليها في زمن التنزيل، وكان هذا من آخر ما نزل من القرآن، وكان أهل الكتاب من شعوب شتى، وقد وصفهم بأنهم حرفوا كتبهم ونسوا حظا مما ذكروا به في هذه السورة نفسها، كما وصفهم بمثل ذلك فيما نزل قبلها، ولم يتغير يوم استنبط الفقهاء تلك المسألة شيء من ذلك. وقد تقدم في تفسير قوله تعالى:{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}[البقرة: ٢٥٦] أن سبب نزولها محاولة بعض الأنصار إكراه أولاد لهم كانوا تهودوا على الرجوع إلى الإسلام، فلما نزلت أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بتخييرهم، ولا شك أنه كان في يهود المدينة وغيرهم كثير من العرب الخلص، ولم يفرق النبي صلى الله عليه وسلم ولا الخلفاء الراشدون بينهم في حكم من الأحكام ". (١)
(١) تفسير القرآن الحكيم الشهير بتفسير المنار: ٦/ ١٧٩، طبعة دار الفكر