٣- بسط الشيخ محمد رشيد رضا هذه القضية في الجزء السادس من تفسير المنار، واستعرض آراء المذاهب المختلفة حول ذبائح أهل الكتاب، وننقل من رأيه ما يلي:
جاء في تفسير المنار:" وروى ابن جرير أيضا وابن المنذر وابن أبى حاتم والنحاس والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ}[المائدة: ٥] ، قال: ذبائحهم، وروى مثله عبد بن حميد عن مجاهد، وعبد الرزاق عن إبراهيم النخعي.
وقد أجمع الصحابة والتابعون على هذا، وأكل النبي صلى الله عليه وسلم من الشاة التي أهدتها إليه اليهودية، ووضعت له السم في ذراعها, وكان الصحابة يأكلون من طعام النصارى في الشام بغير نكير، ولم ينقل عن أحد منهم خلاف إلا في بني تغلب، وهم بطن من العرب انتسبوا إلى النصرانية ولم يعرفوا من دينهم شيئا، فنقل عن علي رضي الله عنه أنه لم يجز أكل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم معللا ذلك بأنهم لم يأخذوا من النصرانية إلا شرب الخمر، يعني أنهم على شركهم لم يصيروا أهل كتاب، واكتفى جمهور الصحابة بانتمائهم إلى النصرانية. روى ابن جرير عن عكرمة قال: سئل ابن عباس عن ذبائح نصارى بني تغلب فقرأ هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُم}[المائدة: ٥١] . وفي رواية عنه أنه قال: كلوا من ذبائح بني تغلب وتزوجوا من نسائهم، فإن الله تعالى قال: وقرأ الآية، فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم، أي يكفي كونهم منهم: نصرهم لهم وتوليهم إياهم في الحرب ".