أود أن أنبه إلى بعض الملاحظات التي قد لا تضيف كثيرًا إلى ما تفضل به من سبقوني لكنها قد توضح بعض الجوانب.
الملاحظة الأولى: أن المعاملة التي جرى نقاشها هي معاملة حادثة باتفاق من تكلم فيها من خبراء ومن فقهاء أبرزها اقتصاد حر جعل كل شيء سلعة، الإنسان ذاته، في نظر هذا الاقتصاد هو وحدة إنتاجية واستهلاكية لا ينظر إليه إلَّا من هذه الزاوية، الحق، المنفعة، اللذة، المصلحة، الحرمة والقداسة مرتفعة عن كل شيء، وكل شيء في هذا الاقتصاد عروض للبيع والشراء والتداول والمعاوضة. جسد الإنسان امرأة أو رجلًا معروض للبيع ومعروض للتأجير ومعروض للانتفاع به بكل الوسائل حيث إن هذا الاقتصاد بني على تصور ينفي الحرمة والقداسة وإدخال أي عنصر غيبي في هذه المعاملات، فلا شيء اسمه دين ولا شيء اسمه فقه أو شريعة أو خلق أو قيم في هذا المجال وإنما هي أمور كلها قابلة للتداول والتبادل والبيع والشراء والمعاوضة. هذه واحدة.
الأمر الثاني: أن فقهنا الموروث لم يشتمل على شيء مباشر في هذه العقود الحادثة وفقهاء سلفنا حتمًا لم يواجهوا مثل هذه المعضلات، فهم قد عاشوا في مجتمعات يغلب عليها أنها مجتمعات زراعية ومجتمعات تجارية ذات طبيعة تراحمية تعاونية بسيطة تحددها وتسودها وتضبطها قيم شرعية وأخلاقية.
الأمر الثالث: هذه المعاملات بعضها إذا أخذ بشكله الجزئي وعرض منفصلًا عن الرّحم الذي ينتمي إليه- رحم الاقتصاد الحر- ربما يستطيع الفقيه أن يقول: هذه المعاملة جائزة أو هذه مقبولة بشكلها الجزئي وفي إطارها الجزئي ولكن ما الذي سننتهي إليه بعد الوصول إلى هذه الجزئيات؟ ربما سيقودنا هذا إلى قبول الإطار الفلسفي بعد ذلك الذي سمح بإفراز مثل هذه المعضلات.
الأمر الرابع: الفقيه المعاصر الذي يواجه هذه القضايا هو ينتمي إلى أمة لا يزال هذا الاقتصاد العالمي السائد يصنفها في إطار عالم ثالث أو عالم نامي أي باعتراف أهل هذا الاقتصاد أن هذه البلدان لا تواجه مثل هذه المشكلات وحين تواجهها فإنما تواجهها في شكل جزئي وفي إطار سيادة وسيطرة هذا النظام الاقتصادي العالمي وبمقدار ما يسقط عليها من مشكلات، وبالتالي فالفقيه المعاصر إما أن يقيس وهنا عملية القياس إن لم تكن متعذرة فهي شديدة الصعوبة لأن فقهاءنا لم يواجهوا مثل هذا، وإما أن يذهب إلى الأخذ بفقه الضرورات لمن يصابون بمثل هذه النوازل بشكل جزئي وقد يكون هذا أسلم المنطلقات أو أخف المنطلقات ضررًا بالنسبة لمثل هذه الواقعات.
الذي نود أن نتنبه إليه هو أن نتصور الاقتصاد الذي تنتمي إليه بلداننا شكله، كيفيته، مشكلاته، كيف يمكن للفقيه المعاصر أن يسهم في معالجة قضاياه؟ أما قضايا اقتصاد آخر لا تصادفنا إلَّا بشكل جزئي ومن خلال هذه المنطلقات فإنها سوف تضع أمامنا كمًّا هائلًا من المشكلات قد يضيع علينا فقه أولوياتنا. أقول قولي هذا وشكرًا لكم.